بقلم الكاتب الصحفي بوعلام نورالدين
يتفقّ الأدباء في رمضان على الهجرة من ضجيج الكتابة إلى معاقل القراءة وأغوارها، باعتبارها غذاءً روحيا لشحذ التأمل والتفكير، وتشخيص مكامن القصور والضعف في الترسانة المفاهيمية، وإستمالة حمولة لغوية لا تعرف النضوب والتصحّر، في زمن هيمنت فيه العولمة المتسارعة والتدفق الرقمي الرهيب، الذي عصف بالأصالة اللغوية بإنتاج مضامين ولغة على مقربة من المثول على مقصلة الإنقراض والإنهيار.
رمضان مناخ ديني محوري يرتب البرمجة الثقافية السنوية، ليرتفع فيه منسوب القراءة وترجح كفة الميزان لها على حساب آلية الكتابة، فهما عنصران مرتبطان ارتباطا وثيقا بالخلوة الساحرة التي تتيح لهم النظر في الندوب الفكرية التي خلّفتها مناخات ثقافية أخرى متصدّعة في هسيس الجسد.
هذا الأمر، يمنح القارئ الكاتب لذة فكرية تجدد وتطهر روحه، فتراجع الكتابة خلال شهر رمضان من قبل الكُتّاب، لا يقتصر على البعد الوظيفي أو استقالة مؤقتة بل يتشعب في شعاب أمهات الكتب الفكرية والتاريخية والدينية والتراثية.
بهذه الوتيرة، يسهم شهر رمضان في تغيير نمط وطبيعة الحياة اليومية للأدباء وتعديل إيقاع طقوسهم المنزلية، ويُخلي سبيلهم من القضبان والأصفاد التي كبّلت إبداعهم وعشّشت داخله أهوال قضايا الواقع العربي اليوم.
فالإنعزال والسفر طقس مقدّس بالنسبة للأديب الذي يبحر بمجدافه البصري وصهيل قلمه داخل الذوات للإنصات على دبيب الحروف وإيقاعها الوجودي، وهذا لا يتحقق إلا بالمضي بعجلة القراءة إلى مضمار الإبداع والعبقرية اللغوية، التي غالبا ما نفتقدها في زحمة المواعيد والظروف الحياتية.
باتت التقنية اليوم، غيمة ملبدة لا تكاد أن تنقشع إلا وتمطر علينا لصوصا بارعون في السطو على النصوص وتسويقها بأسماء مستعارة تحت عباءة”العلاقات العامة”.