ما قل ودل

حين يتحول الإعلام إلى مشروع تجاري…بين كفاءة الصحفي ومصالح الاستثمار في الإشهار العمومي

شارك المقال

يشهد قطاع الإعلام في الجزائر خلال السنوات الأخيرة نقاشاً متزايداً حول طبيعة التسيير داخل بعض المؤسسات الصحفية، خاصة في ظل بروز ممارسات تعكس، حسب عدد من المهنيين، اختلالاً واضحاً بين الكفاءة المهنية ومتطلبات الإدارة الإعلامية.

مفارقة بين التأهيل الأكاديمي والتسيير الإداري

يتخرج العديد من الصحفيون في الجزائر من الجامعات والمعاهد المتخصصة في علوم الإعلام والاتصال، مزودين بتكوين أكاديمي وخبرة ميدانية تسمح لهم بممارسة العمل الصحفي وفق المعايير المهنية. غير أن الواقع يكشف في بعض الحالات عن مفارقة لافتة، حيث تتولى إدارة بعض المؤسسات الإعلامية شخصيات لا تمتلك بالضرورة الخلفية الأكاديمية أو الخبرة المهنية الكافية في مجال الصحافة.

هذا الوضع يضع الصحفي المؤهل في موقع المهني المنفذ داخل مؤسسة يقودها أحياناً أشخاص ينظرون إلى الإعلام باعتباره مشروعاً استثمارياً أكثر منه رسالة إعلامية وثقافية.

الإعلام بين الرسالة المهنية والاستثمار الاقتصادي

لا يمكن إنكار أن الإعلام، كغيره من القطاعات، يحتاج إلى موارد مالية لضمان استمراريته. غير أن الإشكال يبرز عندما يتحول إنشاء بعض المؤسسات الصحفية إلى مجرد وسيلة للاستفادة من عائدات الإشهار، خصوصاً الإشهار العمومي، دون الاستثمار الحقيقي في تطوير المحتوى الإعلامي أو تحسين الظروف المهنية للصحفيين.

وفي مثل هذه الحالات، يصبح الهدف الأساسي لبعض المسيرين هو تحقيق المكاسب المالية المرتبطة بالإشهار، بينما يبقى الجانب التحريري والإعلامي معتمداً أساساً على جهود الصحفيين العاملين داخل المؤسسة.

الصحفي بين ضغط العمل وضعف التقدير المهني

في مقابل هذه المعادلة، يجد الصحفي نفسه في كثير من الأحيان أمام ظروف عمل صعبة، تتسم بضغط مهني كبير وساعات عمل طويلة، مقابل رواتب قد لا تعكس حجم الجهد المبذول أو أهمية الدور الذي يؤديه داخل المؤسسة الإعلامية.

ويشعر العديد من الصحفيين بأن خبرتهم المهنية وتكوينهم الأكاديمي لا يحظيان بالتقدير الكافي، خاصة عندما تكون الإدارة بعيدة عن فهم خصوصيات العمل الصحفي ومتطلباته الأخلاقية والمهنية.

لذا بات تجاوز هذه الإشكاليات يقتضي إعادة التفكير في طبيعة التسيير داخل المؤسسات الإعلامية، بما يضمن حضور الكفاءات الصحفية والأكاديمية في مواقع القيادة. فالمؤسسة الإعلامية لا يمكن أن تؤدي دورها المجتمعي إلا إذا كانت إدارتها واعية بطبيعة العمل الصحفي وأبعاده المهنية.

الحاجة إلى تعزيز مهنية التسيير الإعلامي

كما يتطلب الأمر تعزيز ثقافة الحوكمة المهنية داخل القطاع الإعلامي، بما يسمح بخلق توازن بين البعد الاقتصادي للمؤسسة وبين رسالتها الإعلامية.

كما يبقى تفعيل دور الهيئات التنظيمية والرقابية أمراً ضرورياً لضمان بيئة عمل أكثر استقراراً داخل القطاع الإعلامي.

فلا يمكن الحديث عن إعلام قوي ومؤثر دون صحفيين يتمتعون بظروف مهنية عادلة وإدارة إعلامية واعية. فالمؤسسة الصحفية الناجحة ليست فقط تلك التي تحقق عوائد مالية، بل تلك التي تحافظ على كرامة الصحفي وتوفر له البيئة المهنية التي تمكنه من أداء رسالته في خدمة المجتمع.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram