ما قل ودل

عيدهن في كل لحظة و حين…حكايات جزائريات كتبن تاريخ الكفاح بصمت

الشهيدة سوفي زوبيدة على الشمال و على اليمين صليحة ولد قابلية و تتوسطهما القايدة حليمة

شارك المقال

لم يكن تاريخ الجزائر مجرد معارك خاضها الرجال في ساحات القتال، بل هو أيضاً سجل طويل من التضحيات النسوية التي أسهمت في صناعة المجد الوطني. فالمرأة الجزائرية، عبر مختلف مراحل التاريخ، كانت حاضرة في ميادين الكفاح والعمل الاجتماعي والتضحية، تاركة بصمات لا تُمحى في ذاكرة الوطن. وإذا أراد المرء أن يكتب عن ملاحم الجزائريات خلال فترات الكفاح المسلح وحتى في أوقات السلم، فسيحتاج إلى صفحات كثيرة، لأن قصصهن لا تُختصر في حكاية أو اثنتين، بل هي تاريخ متكامل من العطاء والصمود.

وفي هذا السياق، تبرز نماذج نسوية شكلت جزءاً من الذاكرة الشعبية والتاريخية في الجزائر، خاصة في مدينة وهران والجهة الغربية. من بين هذه الشخصيات بذرة بنت الباي بوكابوس، التي ارتبط اسمها بعبارة شعبية لا تزال متداولة إلى اليوم: “ها الهدرة يا بذرة”. فقد عُرفت هذه المرأة بالحكمة والجرأة في قول الحق، وكانت ذات تأثير كبير بين الناس، حتى أن كلمتها كانت مسموعة في شؤونهم اليومية. ويروي التراث الشعبي أنها كانت تتدخل لرفع الظلم عن الناس والتخفيف من الأعباء المفروضة عليهم، ما جعلها رمزاً للعدل والنخوة في الذاكرة المحلية.

ومن الشخصيات النسوية البارزة أيضاً القايدة حليمة، التي عُرفت بقدرتها على إدارة أملاك زوجها بعد وفاته، وتحويلها إلى مصدر دعم للفقراء واليتامى. فقد كانت مثالاً للمرأة القوية التي جمعت بين الحكمة في التسيير والكرم في العطاء، حتى أصبحت ملجأ لكل محتاج. كما ساهمت في دعم المدارس القرآنية ومساعدة العائلات المعوزة، لتتحول مع مرور الزمن إلى شخصية ذات مكانة اجتماعية كبيرة في المنطقة.

أما خلال مرحلة الثورة التحريرية الجزائرية، فقد سطعت أسماء نسوية اختارت أن تقاسم الرجال شرف الدفاع عن الوطن. ومن بينهن سوفي زوبيدة التي عملت ممرضة، مستغلة خبرتها في علاج جرحى جيش التحرير الوطني، قبل أن تستشهد خلال إحدى الغارات الاستعمارية. وكذلك صليحة ولد قابلية، التي فضلت حمل السلاح والالتحاق بصفوف المجاهدين في جبال الغرب الجزائري، مكرسة حياتها للنضال من أجل استقلال البلاد.

ولا تقتصر هذه الملاحم على الشخصيات المعروفة تاريخياً فقط، بل تمتد إلى آلاف النساء المجهولات اللواتي شاركن في الثورة بطرق مختلفة. فكثير من البيوت الجزائرية كانت مراكز دعم للمجاهدين، حيث لعبت النساء دوراً مهماً في إخفاء الأسلحة ونقل الرسائل وتوفير الدعم اللوجستي. وفي هذا الإطار، تبرز قصص الجدات والأمهات اللواتي شاركن بصمت في مسيرة التحرير، وكن شريكات حقيقيات في صناعة الاستقلال.

ومن بين هذه النماذج أيضاً نساء حافظن على الذاكرة الوطنية بعد الاستقلال، من خلال نقل قصص الكفاح للأجيال الجديدة وتربية أبنائهن على حب الوطن. فالأم الجزائرية لم تكن فقط شاهدة على التاريخ، بل كانت أيضاً حارسة لذاكرته، تروي للأبناء حكايات التضحية والبطولة التي صنعت هوية الجزائر الحديثة.

إن هذه النماذج النسوية، سواء كانت شخصيات تاريخية معروفة أو نساء بسيطات عشن في الظل، تؤكد أن المرأة الجزائرية كانت دائماً جزءاً أساسياً من مسيرة الوطن. فهي التي دعمت الثورة، وربّت الأجيال، وحافظت على القيم الوطنية في أحلك الظروف.

ولهذا، فإن الاحتفاء بالمرأة الجزائرية لا ينبغي أن يقتصر على مناسبة عيد المرأة الثامن مارس، بل هو اعتراف دائم بدورها في بناء المجتمع وصناعة التاريخ. فبفضل تضحيات الجدات والأمهات والأخوات، ظلّت الجزائر صامدة في وجه التحديات، وبقيت قصص هؤلاء النسوة مصدر إلهام للأجيال القادمة.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram