
تذكرت طه حسين في شهر رمضان لأن المسلسل الذي كان يبث في الثمانينات والتسعينات عن حياة الرسول عليه السلام مستوحى من كتابه “على هامش السيرة” والذي كتبه بعد سبع سنوات من كتابه الشكي الذي يمرّ قرن (مارس 1926) على صدوره، كتاب ظَلّ مثار جدل، ولو تمّ تعديل عنوانه وحذف بعض فقراته وفصوله، كما كان صاحبه بطَل معارك فكرية وأدبية استمرّت إلى اليوم: “في الشّعر الجاهلي”.،
و قد أهداه إلى “صاحب الدّولة” – رئيس وزراء اليوم- عبدالخالق ثروت باشا أبرز رجال الدولة والقانون في تاريخ مصر الحديث ومؤسس ملامح الدولة المصرية منها وضعه لدستور مصر 1923، وهو اعتراف من طه حسين وطمع في حمايته لأنّه كان يعلم ما سيثيره كتابه الصّادم.
كان صدور كتاب “في الشعر الجاهلي” عام 1926 بمثابة “زلزال فكري” لم تشهد مصر له مثيلاً في العصر الحديث، ويأتي بعد قرن من صدور كتاب الطهطاوي: “تخليص الإبريز في تلخيص باريز”. الكتاب لقي استنكاراً وردّة فعل من الأزهر الشريف، فطه حسين لم يشكّك في الشِّعر الجاهلي فقط، بل كان شكّه في القصَص القرآني كشواهد تاريخيّة مثل: قصّة بناء إبراهيم وإسماعيل للكعبة، وطالب الأزهر بفصله وحرق الكتاب، وانتقلت المعركة إلى البرلمان والحكومة، وكان ردّ النيابة أن ذلك قيل في مجال الفكر والجدل، وأن الجامعة مكاناً للبحث العلمي ولا للمحاكمة، ومن الذين ردّوا عليه مصطفى صادق الرافعي في كتابه الذي تربيّنا عليه: “تحت راية القرآن” كما ردّ محمد فريد وجدي ومحمد لطفي جمعة.
بعد هذه المعركة، و-قيل- بتدخّل من رئيس الوزراء تمّ سحب الكتاب من السّوق، وإعادة صياغة وحذف كلّ ما يمسّ العقيدة الدينيّة، وعدل في عنوان الكتاب حيث أصبح “في الأدب الجاهلي”، وأبقى بعض الأفكار منها: أنّ “القرآن مصدر تاريخي يُعامل كـ “نصٍّ أدبي خاضع للنّقد التاريخي”، وكان يرى أنّ ذكر القرآن لقصّة ما لا يعني بالضّرورة وقوعها تاريخياً بل قد يكون لمجرد “العِبرة” أو مسايرة لمعتقدات العرب حينها، وهو القول الذي تردّده بعض المنصّات الحداثيّة اليوم دون اجتهاد جديد أو تَقدّم في هذه الدّراسات بل هي في الغالب تكرار لما طرحه المستشرقون والمستعربون.
من الذين تأثّروا بطه حسين: الشيخ أمين الخولي الأزهري (صاحب مدرسة الأمناء)، ومحمد أحمد خلف الله تلميذ أمين الخولي، وهو الذي طبّق منهج طه حسين “المحذوف” (الخاص بالقصص الديني) بشكل أكاديمي مفصّل في رسالته الشهيرة “الفنّ القصصي في القرآن الكريم”، ولويس عوض، ومعروف الرصافي الشّاعر، وأدونيس الذي تبنّى جوهر فكرة طه حسين في الصّراع بين “الثابت والمتحول”.
طه حسين تأثّر بالمدرسة الاستشراقية وبفلسفة رونيه ديكارت لكن أطروحته في الدكتوراه بفرنسا كانت عن “الفلسفة الاجتماعية عند ابن خلدون: تحليل ونقد”، وفي القاهرة عن الشّاعر أبي العلاء المعري بتوجيه من أستاذه المستعرب الإيطالي كارلو نالينو.