لطالما قدّمت الفيفا نفسها بوصفها مؤسسة رياضية عالمية تسعى إلى توحيد الشعوب عبر كرة القدم، باعتبارها اللغة المشتركة التي تتجاوز الحدود السياسية والثقافية. غير أن القرارات الأخيرة المرتبطة بإمكانية استبعاد بعض المنتخبات بسبب الأزمات الجيوسياسية، وعلى رأسها منتخب روسيا لكرة القدم و على الأغلب منتخب إيران مستقبلا رغم تأهله لنهائيات عن جدارة مونديال 2026، تعيد طرح سؤال جوهري حول حدود الفصل بين الرياضة والسياسة، وحول ما إذا كانت البطولة العالمية ما تزال وفية لقيمها الإنسانية المعلنة.
الرياضة من أداة دبلوماسية إلى قوة ناعمة
في الأدبيات الأكاديمية الخاصة بعلم السياسة الرياضية، غالبًا ما تُصنَّف الرياضة ضمن أدوات القوة الناعمة التي تستخدمها الدول لتعزيز صورتها الدولية وبناء جسور التواصل بين الشعوب. وقد تحوّلت بطولة كأس العالم لكرة القدم منذ انطلاقها سنة 1930 إلى فضاء عالمي يجتمع فيه الملايين من مختلف الثقافات والأديان، في لحظة رمزية تتجاوز الخلافات السياسية.
غير أن هذه الرمزية تصبح موضع تساؤل عندما تتحول المشاركة في البطولات الدولية إلى مسألة مرتبطة بالصراعات الدولية أو الحسابات الجيوسياسية.
تسييس الرياضة يحطم الجسر الحضاري بين الشعوب
قرار استبعاد المنتخب الروسي من المنافسات الدولية بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا شكّل سابقة أثارت جدلًا واسعًا داخل الأوساط الرياضية والقانونية. ومع الحديث عن احتمال اتخاذ إجراءات مماثلة ضد المنتخب الإيراني بسبب التطورات العسكرية الأخيرة، يتصاعد النقاش حول ما إذا كانت المؤسسات الرياضية الدولية تطبق المعايير نفسها على جميع الدول.
من منظور أكاديمي، يرى العديد من الباحثين أن تسييس الرياضة يهدد أحد أهم المبادئ التي قامت عليها الحركة الأولمبية والرياضة العالمية، وهو مبدأ الحياد. فإذا أصبحت المشاركة في البطولات رهينة للصراعات السياسية، فإن الرياضة تفقد تدريجيًا قدرتها على لعب دور الجسر الحضاري بين الشعوب.
هل بقي للمونديال معنى؟
يشير عدد من الباحثين في دراسات الإعلام الرياضي إلى أن تراجع مبدأ الحياد الرياضي قد يؤدي إلى تقويض صورة البطولات العالمية بوصفها فضاءات للتنافس الرياضي الخالص. فعندما يتم إقصاء منتخبات وطنية لأسباب سياسية، فإن ذلك قد يدفع جزءًا من الجمهور العالمي إلى النظر إلى البطولة باعتبارها انعكاسًا للتوازنات الدولية أكثر من كونها حدثًا رياضيًا.
وفي هذا السياق، يصبح السؤال الذي يطرحه كثير من المتابعين مشروعًا: ماذا يبقى من المونديال إذا غابت عنه بعض المنتخبات بسبب قرارات سياسية؟
فالبطولة في هذه الحالة قد تحتفظ باسمها العالمي، لكنها قد تفقد جزءًا من روحها الجامعة التي جعلت منها الحدث الرياضي الأكثر متابعة في العالم.