ما قل ودل

من اختراق الجيوش إلى اختراق العقول…تلك هي مهام الجوسسة الحديثة

شارك المقال

لم يعد التجسس في العصر الحديث كما كان في الماضي؛ لم يعد جاسوساً يحمل حقيبة مليئة بالوثائق السرية أو يسرّب معلومات عسكرية حساسة، بل أصبح أكثر تعقيداً وخطورة. فمع تطور أدوات الصراع الدولي تحولت المعارك من ساحات القتال إلى فضاءات الإعلام والثقافة والفكر، حيث أصبح اختراق العقول أخطر من اختراق الحدود.

حيث يروى في سياق انهيار الاتحاد السوفيتي رواية شهيرة مفادها أن أحد المسؤولين السوفييت اتُّهم بالتجسس لصالح الولايات المتحدة. وعندما خضع للتحقيق لم يعترف بتسريب معلومات سرية، بل أشار إلى أن مهمته كانت مختلفة تماماً؛ فقد كان يعمل على وضع الشخص غير المناسب في المكان المناسب داخل مؤسسات الدولة. فالمشرف على الزراعة يُعيَّن في قطاع البنوك، والمسؤول المالي يُنقل إلى قطاع الصناعة، وهكذا تُدار المؤسسات بعشوائية تؤدي تدريجياً إلى إضعاف الدولة من الداخل.

هذه الرواية – سواء كانت دقيقة تاريخياً أم لا – تعكس فلسفة حقيقية في عالم الاستخبارات مفادها أن تدمير الدول لا يحتاج دائماً إلى حرب عسكرية، بل قد يكفي خللٌ منهجي في إدارة المؤسسات لإسقاط الدول.

في العقود الأخيرة، ومع نهاية الحرب الباردة، تطورت أساليب التأثير بشكل كبير. فالقوى الكبرى لم تعد تعتمد فقط على الجواسيس التقليديين، بل باتت تستخدم أدوات أكثر نعومة وتأثيراً. وهنا يظهر دور ما يُعرف بـ القوة الناعمة؛ حيث يتم توظيف الإعلام والثقافة والفكر كوسائل لزعزعة الوعي داخل المجتمعات.

في هذا السياق، ظهر نمط جديد يمكن تسميته بـ “الجاسوس الثقافي” أو “الفاعل المعرفي”. هؤلاء لا يعملون غالباً في الظل كما كان يحدث في الماضي، بل يظهرون في العلن بصفتهم مثقفين أو كتاباً أو محللين إعلاميين. يحصل بعضهم على جوائز أدبية أو فرص إعلامية واسعة، ويقدمون أنفسهم باعتبارهم أصواتاً نقدية داخل مجتمعاتهم. غير أن الخطورة تكمن في أن بعض هذه الأصوات قد يتحول – بقصد أو بغير قصد – إلى أداة لإضعاف الثقة بين الشعوب ومؤسساتها.

 

زرع العجز والفشل وانعدام الأمل يؤدي إلى إسقاط الدول

 تعتمد هذه الاستراتيجية على ما يسمى اليوم الحروب المعرفية، وهي أحد أشكال الصراع الحديثة التي تهدف إلى التأثير على إدراك الأفراد وطريقة تفكيرهم. فبدلاً من مهاجمة الدولة عسكرياً، يتم العمل على نشر خطاب يركز بشكل دائم على العجز والفشل وانعدام الأمل. ومع مرور الوقت يتحول هذا الخطاب إلى حالة نفسية عامة داخل المجتمع، حيث يفقد المواطن ثقته في مؤسسات بلاده وفي قدرته على التغيير الإيجابي.

ولا يعني ذلك أن النقد أو المعارضة أو النقاش الفكري أمر سلبي؛ فالمجتمعات الصحية تقوم أساساً على تعددية الآراء والنقد البنّاء. لكن الفرق كبير بين النقد الذي يسعى إلى الإصلاح، والخطاب الذي يهدف إلى ترسيخ الإحباط الجماعي وتفكيك الروابط الاجتماعية.

بوعلام صنصال و كمال داود أنمودجا

في سياق الحديث عن الحروب المعرفية التي تستهدف الدول من الداخل، يثير بعض الكتّاب جدلاً واسعاً حول الدور الذي قد يلعبه المثقف عندما يتحول خطابه من النقد الأدبي أو الفكري إلى تبني سرديات تُستعمل في الصراعات السياسية الدولية. ويُشار في هذا الإطار إلى أسماء مثل بوعلام صنصال وكمال داود، حيث لعب هذان الشخصان من خلال كتاباتهما الإعلامية والروائية دورا كبيرا في محاولة تشويه صورة الجزائر حيث عملا على تسويق هذه الصورة في الخارج باعتبارها وصفاً لواقع الجزائر، هذا الجدل يعكس تماما إشكالية أعمق تتعلق بحدود الدور الذي يلعبه المثقف في الفضاء العام: أين تتحول بعض الخطابات الثقافية – عندما تُوظَّف في سياقات دولية معينة – إلى أدوات ضمن معارك السرديات والصورة الذهنية بين الدول.

السموم تنفث من منصات التواصل الاجتماعي

لقد أصبحت وسائل الإعلام الحديثة ومنصات التواصل الاجتماعي أدوات مركزية في هذا النوع من الصراعات. فالمعلومة اليوم تنتشر بسرعة غير مسبوقة، ويمكن لرواية معينة أن تؤثر في ملايين الناس خلال ساعات. لذلك تسعى بعض القوى الدولية إلى توظيف هذه المنصات لنشر سرديات تخدم مصالحها الاستراتيجية.

في النهاية، يكشف التحول من التجسس التقليدي إلى التجسس المعرفي عن حقيقة أساسية في عالم السياسة الدولية: المعركة الحقيقية لم تعد فقط على الأرض، بل في العقول أيضاً. فالدولة التي تفقد ثقة شعبها بنفسه وبمستقبله تصبح أكثر هشاشة، حتى لو امتلكت جيشاً قوياً أو اقتصاداً كبيراً.

ومن هنا فإن التحدي الأكبر أمام الدول والمجتمعات اليوم لا يكمن فقط في حماية حدودها الجغرافية، بل في حماية وعيها المجتمعي. فالمعرفة الواعية، والإعلام المسؤول، والنقاش الفكري المتوازن، تبقى جميعها خطوط الدفاع الأولى في مواجهة الحروب الجديدة التي تُخاض بصمت داخل العقول قبل أن تظهر آثارها في الواقع.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram