في سياق الأزمات الدولية والحروب المعاصرة، لا يمكن تفسير صمود الدول فقط من خلال ميزان القوة العسكرية أو القدرات التكنولوجية، بل يجب النظر أيضاً إلى عامل لا يقل أهمية يتمثل في تماسك الجبهة الداخلية وقدرة المجتمع على الاصطفاف خلف الدولة عند تعرضها لتهديد خارجي. ومن هذا المنظور، تبرز الحالة في إيران بوصفها مثالاً يثير اهتمام الباحثين في مجالات العلوم السياسية والعلاقات الدولية، حيث يظهر أن التفاعل بين الدولة والمجتمع يلعب دوراً محورياً في تحديد قدرة أي بلد على مواجهة الضغوط والصراعات.
مفهوم الاصطفاف الوطني في أوقات الأزمات
تشير أدبيات علم السياسة إلى ظاهرة معروفة تسمى الالتفاف حول الدولة أو ما يُعرف في الدراسات الغربية بظاهرة Rally Around the Flag. وتحدث هذه الظاهرة عندما يشعر المجتمع بأن الدولة تواجه تهديداً خارجياً يمس سيادتها أو استقرارها. في مثل هذه الظروف تميل قطاعات واسعة من المجتمع، بما في ذلك أطراف المعارضة، إلى تأجيل الخلافات السياسية الداخلية والتركيز على مواجهة التحدي الخارجي.
هذا النمط من السلوك السياسي يعكس إدراكاً جماعياً بأن استمرار الصراع الداخلي في لحظات التهديد قد يؤدي إلى إضعاف الدولة، وهو ما قد يفتح المجال أمام تدخلات خارجية أو اختلال في توازن القوى.
ويعدّ التماسك الداخلي مؤشراً مهماً على مستوى الشرعية السياسية والاجتماعية التي تتمتع بها الدولة. فحتى في المجتمعات التي تشهد خلافات سياسية أو اقتصادية، قد يظهر نوع من الإجماع الوطني المؤقت عندما يتحول الصراع إلى مسألة سيادة وطنية.
في هذه الحالات يصبح المجتمع أقل ميلاً إلى تحويل الصراع الخارجي إلى أداة لتصفية الحسابات السياسية الداخلية، ويغلب على السلوك الجماعي منطق الدفاع عن الدولة باعتبارها إطاراً جامعاً للمجتمع. وهذا ما يفسر في كثير من الأحيان قدرة بعض الدول على الصمود لفترات طويلة رغم الضغوط العسكرية أو الاقتصادية.
ثبات إيران خلال العدوان عليها أنمودجا
تُظهر التجارب التاريخية أن كثيراً من الاستراتيجيات التي تعتمد على الضغط الخارجي لإحداث تغييرات سياسية داخل الدول قد تصطدم بواقع اجتماعي مختلف عن التوقعات. ففي بعض الحالات يؤدي الضغط الخارجي إلى تعزيز التماسك الداخلي بدلاً من تفكيكه، لأن المجتمع يفسر ذلك الضغط على أنه استهداف للوطن وليس فقط للنظام السياسي تماما كما يحصل في إيران حاليا, أين أخطأ المعتدون على سيادتها في تقدير قوة الجبهة الداخلية اإيرامية و التفافها بقيادتها السياسية, حيث ضرب الإيرانيون مثلا في وقوف الشعب مع حكومته في ظل العدوان الصهيو-أمريكي الأخير.
ومن هنا يصبح فهم العلاقة بين المجتمع والدولة عاملاً أساسياً في تحليل مسارات الأزمات الدولية، إذ لا يمكن تقييم قدرة أي دولة على الصمود من دون دراسة طبيعة مجتمعها ومدى استعداده للدفاع عن مؤسساته في أوقات التهديد.