في الحروب التقليدية كان المتابع يعتمد على الصورة والخبر المباشر لفهم ما يجري في الميدان. كانت الصور القادمة من الجبهات، أو التقارير الصحفية، تشكل المصدر الأساسي لمعرفة من يتقدم ومن يتراجع. تماما مثل حرب الخليج الأولى و الثانية, غير أن طبيعة الصراعات في العصر الرقمي تغيّرت بشكل جذري تماما كما يجري في العدوان الحالي على إيران، فلم تعد الحرب الحالية مجرد مواجهة عسكرية على الأرض، بل تحولت أيضاً إلى حرب إعلامية ومعرفية معقدة، حيث لم تعد المشكلة في ندرة الصورة، بل في التحكم في الصورة وإخفاء حقيقتها.
لقد أصبح المتلقي اليوم يعيش في عالم مليء بالصور والفيديوهات القادمة من مناطق النزاع، لكن التناقض و المفارقة الكبرى تكمن في أن كثرة هذه الصور لا تعني بالضرورة وضوح الحقيقة. فالدول المتحاربة لم تعد تسمح بظهور الصورة كاملة، بل تعمل على نشر الجزء الذي يخدم روايتها السياسية والعسكرية فقط. وهكذا يجد المتابع نفسه أمام سيل من الصور التي قد تكون صحيحة جزئياً، لكنها في الوقت نفسه تخفي أجزاءً أساسية من الواقع.
حرب السرديات بدل حرب الوقائع
في الحروب الحديثة لم يعد الهدف فقط تحقيق الانتصار في الميدان، بل أيضاً الانتصار في الرواية الإعلامية. فكل طرف يسعى إلى تقديم نفسه في صورة المنتصر أو الصامد، بينما يصور خصمه على أنه في حالة انهيار. وتُستخدم وسائل الإعلام التقليدية ومنصات التواصل الاجتماعي لتحقيق هذا الهدف، حيث يتم اختيار الصور بعناية فائقة بحيث تعكس الرسالة السياسية المراد إيصالها.
ومن هنا ظهرت ظاهرة يمكن تسميتها بـ حرب السرديات؛ أي الصراع حول من يملك القدرة على تفسير الأحداث وتقديمها للرأي العام. وفي كثير من الأحيان تصبح الصورة أداة دعائية بقدر ما هي وسيلة لنقل الحقيقة.
الذكاء الاصطناعي وتضليل المشهد الحربي
مع تطور التقنيات الرقمية، دخل الذكاء الاصطناعي إلى ساحة الصراع الإعلامي، ما زاد من تعقيد المشهد. فقد أصبح من الممكن اليوم إنتاج صور أو فيديوهات تبدو واقعية للغاية، رغم أنها في الحقيقة مفبركة أو معدلة. كما يمكن إعادة استخدام صور قديمة أو من مناطق أخرى وتقديمها على أنها أحداث جارية.
ولعل أخطر ما في هذه الظاهرة هو أنها تجعل المتابع يشك حتى في المعلومات الصحيحة. فحين تنتشر الأخبار عن مقتل شخصية ما ثم يظهر لاحقاً أنها لا تزال على قيد الحياة، تتآكل الثقة في كل ما يتم تداوله من معلومات وصور. وهكذا يتحول الشك نفسه إلى جزء من استراتيجية الحرب.
حين تصبح الحقيقة ضحية للحرب
في ظل هذا الواقع الجديد، يمكن القول إن الحروب المعاصرة لم تعد تستهدف الجيوش فقط، بل تستهدف أيضاً وعي الجمهور. فالتلاعب بالمعلومات والصور يخلق حالة من الضبابية تجعل من الصعب على المتابع العادي تحديد ما يحدث فعلاً في الميدان.
إن ما نشهده اليوم هو انتقال الحروب من مرحلة “حرب الصورة” إلى مرحلة أكثر تعقيداً يمكن تسميتها “حرب إخفاء الصورة”. فالمشكلة لم يعد في غياب المعلومات، بل في كثرتها وتضاربها، وفي القدرة على التحكم في ما يظهر وما يُخفى.
وفي نهاية المطاف، يبقى التحدي الأكبر أمام المتابعين والباحثين هو التمييز بين الحقيقة والدعاية في زمن أصبحت فيه التكنولوجيا قادرة على إعادة تشكيل الواقع نفسه. ولذلك فإن فهم الحروب الحديثة يتطلب اليوم قراءة نقدية للمعلومات والصور، لأن الحقيقة في زمن الحروب الرقمية لم تعد ظاهرة دائماً… بل غالباً ما تكون مختبئة خلف الشاشة.