ما قل ودل

حرب بلا رصاص…الخوارزميات تستهدف وعي الجزائريين

شارك المقال

في السنوات الأخيرة، لم تعد الحروب تُخاض فقط عبر الجيوش التقليدية والأسلحة العسكرية، بل انتقلت إلى فضاءات جديدة تتسم بالخفاء والتعقيد، أبرزها الفضاء السيبراني. وفي هذا السياق، برزت مخاوف متزايدة من تعرض الدول إلى ما يُعرف بالحرب السيبرانية، وهي نمط من الصراعات يعتمد على التكنولوجيا الرقمية، واستهداف البنى المعلوماتية والوعي المجتمعي في آن واحد. ويُطرح في هذا الإطار تساؤل مهم حول طبيعة التهديدات التي قد تواجهها بلادنا الجزائر في ظل هذا التحول العالمي نحو حروب المعلومات والتأثير النفسي.

الحرب السيبرانية كأداة للتأثير على الوعي العام

تشير دراسات حديثة في مجال الأمن الرقمي إلى أن الحروب الحديثة لم تعد تقتصر على اختراق الأنظمة المعلوماتية أو تعطيل البنى التحتية الرقمية، بل أصبحت تستهدف كذلك المجال الإدراكي للمجتمعات. ويعتمد هذا النوع من العمليات على نشر المعلومات المضللة، والتلاعب بالسرديات الإعلامية، وتضخيم الأخبار المثيرة للجدل بهدف خلق حالة من الشك والارتباك داخل المجتمع.

وفي هذا السياق، غالبًا ما تُنسب بعض هذه العمليات إلى وحدات متخصصة في الحرب السيبرانية، مثل وحدة 8200 التابعة للجيش الإسرائيلي، والتي تُعد من أبرز الوحدات الاستخباراتية في مجال جمع المعلومات الإلكترونية والعمليات السيبرانية. وتعمل مثل هذه الوحدات، وفق العديد من التحليلات، على تطوير أدوات تعتمد على الخوارزميات والبيانات الضخمة من أجل التأثير في الرأي العام عبر المنصات الرقمية.

الهدف زعزعة الثقة وتفكيك الجبهة الداخلية

يؤكد خبراء الأمن المعلوماتي أن الهدف الرئيسي للهجمات السيبرانية ذات الطابع النفسي يتمثل في إضعاف الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. فحين تتعرض الثقة العامة للاهتزاز، يصبح المجتمع أكثر عرضة للشائعات والمعلومات المضللة، ما قد يؤدي إلى توترات داخلية وصراعات اجتماعية.

وتعتمد هذه الاستراتيجية عادة على ثلاث مراحل أساسية: أولاً نشر معلومات أو روايات مشككة في مؤسسات الدولة، ثم تضخيم الخلافات الداخلية عبر المنصات الاجتماعية، وأخيراً خلق حالة من الإحباط أو الانهيار المعنوي لدى الرأي العام. وفي هذا السياق، تصبح وسائل التواصل الاجتماعي ساحة رئيسية لهذه المواجهة غير التقليدية.

 المواطن مطالب بمواجهة اقتصاد الشائعات

في مواجهة هذا النوع من التهديدات، يؤكد الباحثون في مجال الإعلام الرقمي أن الوعي المجتمعي يمثل خط الدفاع الأول. فالمواطن الذي يمتلك مهارات التحقق من المعلومات ويتجنب إعادة نشر الأخبار غير الموثوقة يساهم بشكل مباشر في تقليص تأثير الحملات التضليلية.

كما أن تعزيز الثقافة الإعلامية والرقمية داخل المجتمع يُعد من أهم الأدوات لمواجهة ما يسمى بـ”اقتصاد الشائعات”، حيث تنتشر الأخبار المثيرة بسرعة كبيرة بسبب طبيعة الخوارزميات التي تحكم عمل المنصات الرقمية.

الوعي الرقمي لحماية الوعي المجتمعي

أمام التحديات المتزايدة في الفضاء الرقمي، تتجه العديد من الدول إلى تطوير استراتيجيات وطنية للأمن السيبراني تشمل حماية البنى التحتية الرقمية، وتعزيز قدرات الرصد والتحليل، إضافة إلى نشر الوعي بين المواطنين حول مخاطر التضليل الإعلامي.

وفي حالة الجزائر، فإن تعزيز الأمن السيبراني لا يقتصر فقط على الجانب التقني، بل يشمل كذلك بناء منظومة مجتمعية قادرة على التمييز بين المعلومات الموثوقة والمحتوى المضلل. فالحروب الحديثة لم تعد تُحسم فقط بالتفوق العسكري، بل بقدرة المجتمعات على حماية وعيها الجماعي من الاختراق.

إن المعركة في العصر الرقمي تدور في الفضاء الافتراضي بقدر ما تدور على الأرض، ما يجعل الوعي الرقمي للمواطن أحد أهم عناصر الأمن الوطني في القرن الحادي والعشرين.

المراجع

  1. تقارير حلف شمال الأطلسي حول الحرب الهجينة وتأثير العمليات السيبرانية في الأمن القومي للدول.

  2. تقرير الاتحاد الأوروبي للأمن السيبراني (ENISA) حول تهديدات التضليل الإعلامي والهجمات السيبرانية على المجتمعات الرقمية.

  3. دراسة RAND Corporation حول مفهوم حرب المعلومات والتأثير النفسي عبر الفضاء الرقمي.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram