في تاريخ الشعوب، غالبًا ما تُنسب صناعة المجد إلى الرجال، غير أن بعض النساء ينجحن في كسر هذه القاعدة وفرض أسمائهن بحروف من ذهب. وفي الجزائر، تبرز شخصية “القايدة حليمة” كواحدة من تلك الاستثناءات النادرة التي صنعت لنفسها مكانة استثنائية في زمن الاستعمار، وتحديدًا في مدينة وهران.
ففي فترة كان فيها المستعمر الأوروبي يسيطر على الأرض والثروات، استطاعت القايدة حليمة أن تقلب المعادلة. فلم تكن مجرد امرأة ثرية، بل كانت صاحبة نفوذ وهيبة، حتى أن الأوروبيين أنفسهم اشتغلوا لديها كعمّال بالأجرة، وهو أمر نادر في تلك الحقبة.
امتدت أملاكها من وهران إلى العامرية، وشملت مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، ما جعلها تنافس كبار المعمّرين (الكولون) في الثروة والنفوذ.
من تركة إلى إمبراطورية فلاحية
لم تأتِ ثروة القايدة حليمة من فراغ، بل كانت ثمرة ذكاء اقتصادي نادر. بعد وفاة زوجها “ولد قاضي” الذي ترك لها حوالي 1500 هكتار، لم تكتفِ بالحفاظ على الإرث، بل ضاعفته بفضل خبرتها في الفلاحة وتربية المواشي, هذا النجاح جعلها نموذجًا مبكرًا للمرأة المستثمرِة التي تدير الثروة بحكمة وتطوّرها رغم التحديات.
و ما ميّز القايدة حليمة ليس فقط ثراؤها، بل عدلها في التعامل مع العمال، سواء كانوا جزائريين أو أوروبيين. في زمن كان فيه الاستغلال سيد الموقف، عُرفت بإنصافها وإعطائها الحقوق كاملة، ما جعل الكثير من الأوروبيين يفضّلون العمل لديها بدلًا من العمل عند بني جلدتهم, هذا السلوك أكسبها احترام الجميع، حتى من طرف المعمّرين أنفسهم الذين سعوا لكسب ودّها.
و بفضل أعمالها الخيرية ومواقفها الإنسانية، نالت حليمة حبّ الجزائريين الذين أطلقوا عليها لقب “القايدة”، وهو لقب شرفي يعكس مكانتها الاجتماعية والنضالية.
كانت تساعد الفقراء، وتكفل الأيتام، وتقف إلى جانب المحتاجين، ما جعلها رمزًا للكرم والتضامن في المجتمع الوهراني.
دعمت المقاومة سّرا…و ابنتها لالا ستي تستلم مشعل الكفاح
لم تكن القايدة حليمة بعيدة عن روح المقاومة، بل لعبت دورًا مهمًا في دعم الحركة التحررية بشكل غير مباشر. فقد كانت تقدّم مساعدات مالية سرية للمناضلين، وتخصص منحًا شهرية لعائلات المنفيين إلى كاليدونيا, كما عُرفت برعايتها لأحفاد المقربين من الأمير عبد القادر، في وفاء واضح لرموز المقاومة الجزائرية.
و لم تتوقف روح النضال عند القايدة حليمة، بل انتقلت إلى ابنتها “ستّي”، التي شاركت في دعم الثورة الجزائرية ماليًا. وقد دفعت جراء ذلك ثمنًا غاليًا، حيث اعتقلتها السلطات الاستعمارية وعذّبتها قبل أن تُزجّ بها في السجن المركزي بوهران.
و عرف عن القايدة حليمة أيضًا مهارتها في ركوب الخيل، حيث كانت تتفقد ممتلكاتها بنفسها، فكانت تجوب الأراضي من وهران إلى العامرية، في صورة تختزل القوة والهيبة.
وقد خلدها الشعر الشعبي بقولهم: “القايدة حليمة جدارمي فالتحزيمة”
و لم تكن شخصيتها القوية وليدة الصدفة، بل تأثرت بوالدها الذي كان عالمًا ومؤلفًا، ومن أبرز أعماله كتاب “دليل الحيران وأنيس السهران في أخبار وهران”، ما يعكس بيئتها العلمية و الثقافية التي ساهمت في تشكيل وعيها وشخصيتها.
مقبرة عين البيضاء…صدقة جارية للحاجة حليمة
من أعظم ما تركته القايدة حليمة، تخصيصها قطعة أرض واسعة في عين البيضاء لتكون مقبرة للمسلمين، بعد امتلاء المقابر القديمة, و أمام امتناع المستدمر الفرنسي في تخصيص أرض دفن موتى المسلمين قامت القايدة حليمة بهذا العمل الخيري الذي يزال قائمًا إلى اليوم و شاهدا على سخاء المرأة الحرة الجزائرية ، ويُعد صدقة جارية يترحم عليها الوهرانيون بفضلها حتى الآن.
و توفيت القايدة حليمة سنة 1944، ودُفنت في مسجد “بن كابو” بحي المدينة الجديدة، الذي كانت قد ساهمت في بنائه و رغبت أن تستريح فيه في احياة الأبدية لكي لا ينقطع عنها صوت الآذان و صوت قراء القرآن.
رحلت بهدوء، لكنها تركت وراءها سيرة استثنائية لامرأة صنعت المجد في زمن كان ذلك فيه شبه مستحيل لدى البعض.
و رغم كل ما قدمته، لم تنل القايدة حليمة ما تستحقه من اهتمام إعلامي وتاريخي، باستثناء بعض الكتابات والأغنية التي أداها الفنان الراحل أحمد صابر.
إن قصة هذه المرأة ليست مجرد سيرة شخصية، بل جزء من الذاكرة الوطنية التي تستحق أن تُروى في أعمال وثائقية وسينمائية، لتكون مصدر إلهام للأجيال القادمة.
فرحم الله القايدة حليمة…السيدة التي صنعت من الكرم مقاومة، ومن الذكاء سيادة، ومن العطاء خلودًا.