في عالم يطغى عليه الخطاب السياسي الصاخب، يطلّ ألكسندر دوجين بمنشور مختلف، يستحضر فيه حوارًا عميقًا جمعه مع علي لاريجاني، لكن ليس في دهاليز السياسة، بل في فضاءات الفكر الميتافيزيقي. حديثٌ عن السهروردي، والعقل العاشر، وعالم الملكوت، يُعيد إلى الواجهة سؤالًا قديمًا: أين اختفى الفلاسفة في زمن الأزمات؟
من كانط إلى السهروردي…فلسفة تتجاوز العقلانية الغربية
يُشير دوجين إلى أن الحوار لم يكن حول إيمانويل كانط، رمز الفلسفة العقلانية الغربية، بل دار حول شهاب الدين السهروردي، صاحب فلسفة الإشراق، التي تمزج بين العقل والروح.
الحديث عن “العقل العاشر” و“عالم الملكوت” يعكس انغماسًا في التراث الفلسفي الإسلامي، حيث لا يُنظر إلى المعرفة كعملية عقلية مجردة، بل كتجربة روحية تتجاوز حدود الحس والعقل معًا.
هذا التحول من الفلسفة الغربية إلى الإشراقية يكشف عن رغبة في البحث عن بدائل معرفية أعمق، خاصة في عالم يعاني من أزمة معنى.
الفيلسوف النادر…حكمة في زمن القفرة
في منشوره، يطرح دوجين تساؤلًا لافتًا: “لماذا تقتلون الفلاسفة؟”, وهو سؤال يحمل في طياته نقدًا ضمنيًا لزمن فقد فيه الفكر العميق مكانته، لصالح الخطاب السريع والمباشر.
وصفه للاريجاني بالحكيم والعميق، يوحي بأن الفيلسوف الحقيقي لم يعد مجرد مفكر، بل حالة نادرة، تتطلب توازنًا بين المعرفة والتأمل، وبين العقل والروح.
حتى المترجم الذي كان بينهما، كما يروي دوجين، وجد نفسه مرهقًا أمام صعوبة نقل هذا النوع من الحوار، في إشارة إلى أن بعض الأفكار تتجاوز اللغة نفسها.
بين “الجنة” و”الجحيم”…استعارة فلسفية للواقع
يختتم دوجين منشوره بصورة رمزية قوية: “هو الآن في الجنة، أما نحن فلا نزال في الجحيم”. هذه العبارة لا تُقرأ بالمعنى الحرفي، بل كاستعارة فلسفية تعكس الفارق بين من يعيش في عالم الفكر العميق، ومن يظل حبيس الواقع المادي المضطرب.
إنها دعوة ضمنية لإعادة الاعتبار للفلسفة، ليس كترف فكري، بل كضرورة لفهم العالم، وربما للخروج من أزماته.
في النهاية، لا يبدو أن دوجين كان يتحدث فقط عن لاريجاني…بل عن زمن كامل فقد فيه الإنسان بوصلته، وأصبح في أمسّ الحاجة إلى فلاسفة يعيدون له معنى الوجود.