لم يكتفي محمد بن عثمان الكبير، بكونه قائداً عسكرياً، بل كان مهندساً عمرانياً استغل مدينة معسكر لتكون “مختبر الحلم” قبل أن يحوله إلى حقيقة فوق رمال وهران.
معسكر عاصمة التحضير ومركز الإشعاع
لم تكن معسكر بالنسبة لبن عثمان مجرد مقر إداري، بل كانت العمق الاستراتيجي لبايلك الغرب. خلال فترة حكمه التي بدأت عام 1779، شهدت المدينة تحولات جذرية جعلت منها قطباً إقليمياً.
شيّد الباي في معسكر مساجد ومنشآت لا يزال بعضها قائماً، محولاً المدينة إلى مركز ثقافي وديني استقطب العلماء والفقهاء، مما عزز من شرعيته الشعبية.
و جعل من “الزمالة” في معسكر قوة ضاربة، حيث أعاد تنظيم الجيش وتدريبه على فنون الحصار والمناوشات، تحضيراً للمعركة الكبرى.
و نجح بذكائه السياسي في كسب وّد القبائل المحيطة بمعسكر – مثل بني شقران ومجاهر-، محولاً التنافس القبلي إلى وحدة وطنية موجهة ضد المحتل.
الطريق إلى وهران…خطة الخناق الذكي
كانت وهران والمرسى الكبير تحت الاحتلال الإسباني بمثابة شوكة في خاصرة الجزائر. لم يتسّرع ابن عثمان في الهجوم، بل اعتمد استراتيجية “التضييق التدريجي” انطلاقاً من معسكر.
و أمر بتشييد سلسلة من الأبراج والقلاع في المناطق المحيطة بوهران مثل برج جير وبن عودة لقطع طرق الإمداد البري عن الإسبان.
و شجع المتطوعين والطلبة المرابطين على شن غارات خاطفة أرهقت الحامية الإسبانية وجعلتها تعيش في رعب دائم خلف الأسوار.
ملحمة 1792…معسكر “الروح والساعد”و وهران “الهدف والتاج”
في عام 1790، ضرب زلزال عنيف مدينة وهران، مما أضعف التحصينات الإسبانية ونشر الفوضى في صفوفهم. استغل محمد بن عثمان الكبير اللحظة التاريخية ببراعة الحصار الشامل و ضرب حصاراً خانقاً على المدينة، رافضا كل محاولات الإسبان للمساومة، مصّراً على الجلاء التام وغير المشروط وبدأ في المفاوضات من موقع القوة بفضل صمود جيشه والتفاف الشعب حوله، أجبر ملك إسبانيا “كارلوس الرابع” على توقيع معاهدة الجلاء.
و في فبراير 1792، دخل الباي محمد بن عثمان الكبير مدينة وهران فاتحاً وسط تهليل السكان، لينهي بذلك قرابة 300 عام من التواجد الإسباني، وينقل عاصمة البايلك رسمياً من معسكر إلى وهران.
رحل محمد الكبير، لكنه ترك وراءه “وهران” جزائرية خالصة، و”معسكر” فخورة بأنها كانت مهد الانطلاق. إن الربط بين المدينتين في مسار هذا القائد يعكس رؤية متكاملة للسيادة الوطنية؛ حيث كانت معسكر “الروح والساعد”، وكانت وهران “الهدف والتاج”.