لطالما ارتبطت التحولات الكبرى في التاريخ بأحداث صادمة تعيد تشكيل الوعي الجماعي وتدفع الشعوب إلى إعادة تعريف موقعها في معادلة القوة. فإذا كانت مجازر 8 ماي 1945 في سطيف وقالمة وخراطة قد شكّلت لحظة مفصلية في مسار الوعي الوطني الجزائري ومهّدت لانطلاق الثورة التحريرية، فإن أحداث عملية طوفان الأقصى تُقدَّم اليوم، في بعض القراءات، كمنعطف جديد يعيد تشكيل ملامح الصراع في المنطقة والعالم.
سطيف 1945…حين اقتنع الجزائريون بأن الحرية تُنتزع
مثّلت مجازر 8 ماي 1945 صدمة عميقة للجزائريين، حيث تحولت آمالهم في الحرية بعد الحرب العالمية الثانية إلى مأساة دامية. هذه الأحداث لم تكن مجرد انتفاضة قُمعت بعنف، بل كانت نقطة تحول نفسية وسياسية.
فقد أدرك الجزائريون حينها أن الاستعمار لا يُواجه بالمطالب السلمية فقط، بل يتطلب مشروعًا تحرريًا شاملاً، وهو ما تجسّد لاحقًا في اندلاع الثورة المسلحة سنة 1954.
فحين نقارن بين مجازر 8 ماي 1945 وعملية طوفان الأقصى، لا نقارن بين حدثين منفصلين في الزمن فحسب، بل بين لحظتين مفصليتين أعادتا تشكيل الوعي السياسي للشعوب، وكسرتا تصورات سابقة حول ميزان القوة وإمكانية التغيير.
فقبل أحداث سطيف، كان جزء من النخبة الجزائرية يؤمن بإمكانية تحقيق الحقوق عبر الإصلاح داخل المنظومة الاستعمارية. لكن المجازر جاءت كصدمة عنيفة أنهت هذا الوهم، ورسّخت قناعة أن التحرر لا يُمنح بل يُنتزع بنفس المنطق
طوفان الأقصى…حدث يعيد ترتيب الوعي الجيوسياسي
بالمقابل يرى بعض المحللين أن “طوفان الأقصى” مثّل صدمة استراتيجية ونفسية، ليس فقط للخصم، بل أيضًا للبيئة الإقليمية والدولية. فقد أعاد طرح سؤال جوهري: هل يمكن الاستمرار في نفس قواعد الاشتباك القديمة؟
في الحالتين الجزائرية و الفلسطينية، لعبت “الصدمة” دورًا في نقل الصراع من مرحلة “التدبير السياسي” إلى مرحلة “إعادة تعريف المعادلة”.
و في سياق مختلف، يرى بعض المحللين أن “طوفان الأقصى” لم يكن مجرد عملية عسكرية، بل لحظة مفصلية أعادت طرح أسئلة كبرى حول موازين القوى، وحدود الردع، ومستقبل الصراع في المنطقة.
فقد كشفت هذه الأحداث – بحسب هذه القراءات – عن:
- هشاشة بعض الفرضيات الأمنية
- عودة الصراع إلى واجهة الاهتمام الدولي
- انقسام المواقف الدولية بشكل غير مسبوق
كما ساهمت في إعادة إحياء النقاش حول القضايا العادلة في الوعي العالمي، خاصة مع تصاعد التفاعل الشعبي والإعلامي.
اختلال ميزان القوة… حين يتحدى الأضعف الأقوى
في الجزائر الاستعمارية، كان ميزان القوة يميل بشكل كاسح لصالح فرنسا، ومع ذلك مهّدت أحداث 1945 لثورة قلبت المعادلة لاحقًا. لم يكن التفوق العسكري حاسمًا بقدر ما كان الوعي والإرادة الجماعية.
وفي السياق الحالي، تُظهر بعض القراءات أن ما حدث في “طوفان الأقصى” كشف أن التفوق التكنولوجي لا يضمن السيطرة المطلقة، وأن الفاعلين غير المتكافئين قادرون على إحداث اختراقات مؤثرة.
هذا لا يعني تساوي التجربتين، لكن القاسم المشترك هو:
- كسر صورة “التفوق المطلق”
- إعادة الثقة لدى الطرف الأضعف
- إدخال عنصر المفاجأة في الصراع
توسيع رقعة الصراع…من غزة إلى الإقليم
أبرز تأثير لطوفان الأقصى كان توسيع دائرة التوتر، حيث لم تعد المواجهة مقتصرة على غزة، بل امتدت إلى ساحات إقليمية متعددة. هذا التوسع فرض على الولايات المتحدة وحلفائها إعادة توزيع أولوياتهم العسكرية والسياسية.
في هذا السياق، أصبحت إيران – بوصفها لاعبًا إقليميًا مؤثرًا – في قلب الحسابات، سواء عبر اتهامات بدعم حركات في المنطقة، أو عبر التخوف من انزلاق الأمور إلى مواجهة مباشرة.
قبل طوفان الأقصى، كانت هناك محاولات لإعادة ترتيب المنطقة وفق مسارات دبلوماسية وأمنية جديدة. لكن الحدث قلب هذه الحسابات، وأعاد المنطقة إلى منطق الصراع المفتوح.