لطالما كانت الصورة أهم من الحقيقة في تشكيل الوعي العالمي. وفي قلب هذه المعادلة، لعبت هوليوود دورًا محوريًا لعقود، حيث لم تكن مجرد صناعة ترفيه، بل أداة ناعمة لصياغة السرديات وتوجيه الرأي العام, لكن ماذا يحدث عندما تبدأ هذه الصورة نفسها في التصدّع من داخل “القلعة”؟
من صناعة الصورة إلى مراجعتها
منذ عقود، ساهمت هوليوود في تقديم روايات معينة عن الصراعات الدولية، حيث ظهرت إسرائيل في كثير من الأعمال كدولة محاطة بالتهديدات، تدافع عن نفسها في بيئة معادية, هذه الصورة لم تكن دائمًا محل إجماع، لكنها ظلت مهيمنة إلى حد كبير داخل الإنتاج السينمائي الغربي, غير أن ما يلفت الانتباه اليوم هو ظهور أصوات من داخل هذا الوسط تعلن مراجعتها لمواقفها السابقة.
تراجع فكري لافت
المخرج الأمريكي بول شريدر، أحد الأسماء البارزة في السينما، عبّر عن تحوّل واضح في نظرته, تصريحاته الأخيرة لا تعكس مجرد موقف سياسي، بل مسارًا فكريًا بدأ بالدعم التقليدي وانتهى بالتشكيك في الممارسات الحالية.
هذا النوع من التحولات يحمل دلالة خاصة، لأنه يصدر من شخصيات كانت جزءًا من المنظومة الثقافية التي ساهمت في تشكيل الصورة السابقة.
وسائل التواصل الاجتماعي تكشف المستور
التحولات في الرأي العام الغربي لا تأتي فجأة، بل نتيجة تراكمات:
- تدفق المعلومات: وسائل التواصل الاجتماعي كسرت احتكار الرواية، وأتاحت صورًا ومشاهد لم تكن تصل سابقًا إلى الجمهور الغربي.
- تغيّر الأجيال: الأجيال الجديدة أقل ارتباطًا بالسرديات التقليدية، وأكثر ميلًا لطرح الأسئلة.
- تصاعد النقاشات الأخلاقية: قضايا حقوق الإنسان أصبحت محورًا أساسيًا في تقييم السياسات الدولية.
في هذا السياق، لم يعد من السهل الحفاظ على صورة واحدة ثابتة دون مراجعة.
من التعاطف إلى الإدانة
لفترة طويلة، ارتبط الدعم الغربي لإسرائيل بعوامل تاريخية وثقافية، من بينها إرث الحرب العالمية الثانية ومخاوف معاداة السامية.
لكن ما يحدث اليوم هو انتقال تدريجي من مرحلة التعاطف غير المشروط إلى مرحلة المساءلة والنقد.
هذا لا يعني بالضرورة انقلابًا كاملاً في المواقف، لكنه يشير إلى بداية توازن جديد في الخطاب.
و إذا كانت هوليوود قد ساهمت في بناء صورة معينة، فإنها اليوم قد تكون أيضًا ساحة لإعادة تشكيلها, فالتاريخ يثبت أن السينما تتأثر بالتحولات الاجتماعية والسياسية، بل وتشارك في تسريعها أحيانًا, ومع تنامي الأصوات النقدية، قد نشهد أعمالًا أكثر تنوعًا في طرحها، وأقل انحيازًا للرواية الواحدة.
ميل جيبسون أول من عرّى إسرائيل
أول من وافق رأيه رأي المخرج الأمريكي بول شريدر هو الممثل الأسترالي “ميل جيبسون” صاحب الأدوار العالمية من “patriote” إلى “brave heart”,الذي زعزع الفضاء الأزرق سابقا من خلال منشور لم يعجب الجانب الإسرائيلي,حيث تهكم من خلاله باستبدال نجمة داود التي تتوسط العلم العبري بالساعة الرملية كدليل على قرب الزوال, و دّعم جيبسون تدوينته بعبارة “هم يعلمون بأنها النهاية, لذا فهم يحطمون كل شيئ في طريقهم”.
التصريحات الفردية، مهما كانت مؤثرة، لا تعني بالضرورة تحولًا شاملًا. لكنها قد تكون مؤشرات أولية على تغير أعمق في الوعي.
عندما يبدأ صناع الصورة أنفسهم في التشكيك بما صنعوه، فهذا يعني أن الواقع أصبح أقوى من السردية, فما قاله بول شريدر ليس مجرد رأي شخصي، بل جزء من نقاش أوسع يتشكل داخل المجتمعات الغربية, فهل نحن فعلا أمام بداية تحول حقيقي في نظرة الغرب للأكذوبة إسرائيل؟.