ما قل ودل

أمريكا تغرق في حروب الظل والكذب…السياسة تتحايل على الوقت و الرواية

شارك المقال

يشهد العالم اليوم واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا في تاريخ الصراعات الحديثة، حيث لم تعد الحروب تُقاس فقط بحجم الدمار أو عدد الضحايا، بل بقدرة الأطراف على التحكم في الرواية وتوجيه الإدراك العام. فالمعركة لم تعد فقط على الأرض، بل انتقلت إلى مستوى أعمق و هي معركة على الحقيقة نفسها. وفي هذا السياق، تتصاعد التصريحات المتناقضة بين الولايات المتحدة وإيران، وسط تبادل للاتهامات ومحاولات مستمرة لإعادة رسم صورة الواقع بما يخدم المصالح الاستراتيجية لكل طرف.

 صراع على العقول قبل الميدان

لم يعد الصراع محصورًا في المواجهة المباشرة، بل أصبح يعتمد بشكل كبير على ما يمكن تسميته بـ“حرب الروايات”. ففي الوقت الذي تطرح فيه واشنطن مبادرات تفاوضية وتُظهر استعدادًا للحلول السياسية، تخرج طهران بخطاب مغاير، يشكك في جدية هذه الدعوات ويعتبرها محاولة لإعادة التموضع لا أكثر. وقد عبّر وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان عن هذا التناقض بلهجة ساخرة، متسائلًا عن جدوى التفاوض إذا كان الطرف المقابل يعتبر نفسه منتصرًا. هذا التباين في الخطاب لا يعكس فقط اختلافًا في المواقف، بل يكشف عن صراع أعمق على كسب الرأي العام الدولي، حيث يسعى كل طرف إلى تثبيت سرديته كحقيقة نهائية.

كسب الوقت لتحديد مسار المعركة

إلى جانب حرب التصريحات، يبرز عامل الزمن كأحد أهم أدوات الصراع. فالحروب الحديثة لم تعد تعتمد على الحسم السريع، بل على إدارة الوقت بذكاء. في هذا الإطار، تتهم إسرائيل، بدعم من الولايات المتحدة، باستخدام تكتيك “كسب الوقت” من خلال طرح هدن مؤقتة أو مبادرات سياسية، بهدف إعادة ترتيب القدرات العسكرية واستعادة التوازن الميداني. في المقابل، يرى الطرف الآخر أن هذه التحركات ليست سوى محاولة لتفادي الضغط المباشر وتأجيل المواجهة الحاسمة. وهكذا يتحول الوقت إلى عنصر استراتيجي، لا يقل أهمية عن السلاح، حيث يمكن لأسابيع قليلة أن تغيّر موازين القوى بشكل جذري.

 الحقيقة في منطقة رمادية

في ظل هذا التعقيد، يصبح من الصعب الفصل بين ما هو سياسي وما هو إعلامي. فالتصريحات، والتسريبات، وحتى الأخبار العاجلة، قد تكون جزءًا من حرب نفسية تهدف إلى التأثير على الخصم أو توجيه الرأي العام. وسائل الإعلام، بدورها، لم تعد مجرد ناقل للحدث، بل أصبحت لاعبًا في تشكيله، سواء بوعي أو دون قصد. وفي هذا المناخ، يجد المتابع نفسه أمام سيل من المعلومات المتضاربة، حيث تختلط الحقائق بالتحليلات، وتضيع الحدود بين الواقع والتأويل.

ما نعيشه اليوم هو نموذج جديد من الحروب، حيث لا توجد جبهات واضحة ولا نهايات قريبة. إنها حرب تُدار بالعقول بقدر ما تُدار بالسلاح، وتُحسم بالرواية بقدر ما تُحسم في الميدان. وبين اتهامات متبادلة ومناورات مستمرة، تبقى الحقيقة هي الضحية الأولى، ويظل العالم في انتظار لحظة تتضح فيها الصورة… إن حدث ذلك أصلًا.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram