في خضم التحولات الجيوسياسية التي يعرفها سوق الطاقة العالمي، عادت بعض المنابر الإعلامية الفرنسية إلى خطابها التقليدي تجاه الجزائر، محاولة تصوير العلاقات الجزائرية-الإيطالية على أنها قائمة على “توسل” إيطالي للحصول على الغاز الجزائري.
غير أن هذا الطرح يكشف مرة أخرى عن أزمة قراءة عميقة للواقع، أكثر مما يعكس حقيقة ما يجري.
شراكة طاقوية قائمة على المصالح لا الاستجداء
العلاقات بين الجزائر وإيطاليا في مجال الطاقة لم تكن يومًا علاقة تبعية أو استجداء، بل هي شراكة استراتيجية قائمة على المصالح المتبادلة.
فإيطاليا، باعتبارها واحدة من أكبر الاقتصادات الأوروبية، تدرك أهمية تنويع مصادر الطاقة، خاصة في ظل الاضطرابات التي يشهدها العالم.
في المقابل، تمتلك الجزائر موقعًا استراتيجيًا وموارد طاقوية تجعلها شريكًا موثوقًا.
وعليه، فإن أي طلب إيطالي لزيادة الإمدادات لا يُفهم في سياق “التوسل” مثلما تحاول بعض الأقلام الفرنسية المأجورة تصويره، بل في إطار التفاوض الطبيعي بين دولتين ذات سيادة.
لماذا تنجح إيطاليا حيث تفشل فرنسا؟
الفرق الجوهري لا يكمن في الأرقام أو العقود، بل في أسلوب التعامل, فإيطاليا تعتمد خطابًا براغماتيًا قائمًا على الاحترام المتبادل، بعيدًا عن الإرث الاستعماري أو النزعة الفوقية.
في المقابل، لا تزال بعض الدوائر الفرنسية عاجزة عن تجاوز ماضيها مع الجزائر، وهو ما ينعكس في خطاب إعلامي متوتر يحاول التقليل من أي تقارب جزائري مع شركاء آخرين.
إيطاليا ببساطة تفعل ما لم تفهمه فرنسا بعد: أن الجزائر اليوم ليست مجرد مزود للطاقة، بل فاعل إقليمي مستقل يفرض شروطه ويحظى بالاحترام.
الإعلام الموجه…حين تتحول الأخبار إلى تصفية حسابات
ما تروج له بعض أقلام الصحافة الفرنسية لا يمكن فصله عن سياق أوسع من محاولات التأثير على الرأي العام.
فتارة يتم توظيف أسماء أدبية وإعلامية لإثارة الجدل حول الجزائر، وتارة أخرى يتم استغلال ملفات اقتصادية لتقديم صورة مشوهة عن علاقاتها الدولية.
وفي هذا الإطار، يأتي الهجوم على التقارب الجزائري-الإيطالي كمحاولة للتشكيك في نجاح الدبلوماسية الجزائرية, عن طريق التقليل من أهمية الشراكات الجديدة, وبث سردية تفيد بأن الجزائر في موقع ضعف.
غير أن الواقع يكّذب تماما هذه الادعاءات، حيث تثبت الجزائر يومًا بعد يوم قدرتها على تنويع شركائها وتعزيز موقعها في سوق الطاقة العالمي.
الاحترام أساس الشراكات الناجحة
القضية ليست في من يطلب ومن يمنح، بل في كيف تُدار العلاقات بين الدول, فإيطاليا اختارت لغة الاحترام والمصالح المشتركة، فحصدت نتائج ملموسة.
بينما لا تزال بعض الأصوات الفرنسية أسيرة خطاب قديم لم يعد يجد له صدى في عالم يتغير بسرعة.
وفي النهاية، تبقى القاعدة بسيطة…الدول لا تتوسل… بل تتفاوض، ومن يفهم هذه القاعدة، يكسب شراكات المستقبل.