ما قل ودل

سليمان عبدوش…حين يتحول القلم إلى موقف

شارك المقال

في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث وتتداخل فيه المعايير، يبقى القلم هو الفيصل الحقيقي بين الضجيج والموقف، بين الانحياز والالتزام. وفي هذا السياق، يبرز اسم سليمان عبدوش كواحد من الوجوه الصحفية التي استطاعت أن ترسم لنفسها مسارًا متوازنًا بين الوطنية والمهنية، دون أن تفقد بوصلتها في خضم التحولات.

ليس من السهل أن يجمع الصحفي بين الانتماء الوطني والحياد المهني، فغالبًا ما يطغى أحدهما على الآخر. غير أن تجربة سليمان عبدوش تقدم نموذجًا مختلفًا، حيث لم يكن الانتماء للمهنية على حساب القيم. بل استطاع أن يستمد من الوطنية روح الالتزام، ويمنح الصحافة بعدها الأخلاقي، لتستقيم المعادلة في صورة ناضجة تعكس وعيًا عميقًا بطبيعة الدور الإعلامي.

لقد كان حضوره في مختلف التظاهرات السياسية شاهدًا على هذا التوازن، حيث برز كصحفي حريص على المعلومة، مدرك لمسؤولية الكلمة، ومؤمن بأن الصحافة ليست مجرد نقل للخبر، بل بناء للوعي العام.

على رأس المنظمة الوطنية للصحافيين الجزائريين، لم يكن دوره إداريًا بحتًا، بل تجاوز ذلك ليصبح مشروعًا مهنيًا وإنسانيًا. فقد عمل على لمّ شمل الأسرة الإعلامية، وجعل من المنظمة فضاءً جامعًا لا يُقصي أحدًا، بل يحتضن الجميع دون استثناء.

تميّزت تجربته بالاهتمام بالصحفي كإنسان قبل أن يكون ممارسًا للمهنة، فكان سندًا لزملائه، حاضرًا في قضاياهم، وساعيًا إلى رد الاعتبار لمن طواهم النسيان. هذا البعد الإنساني أضفى على قيادته مصداقية خاصة، وجعل تأثيره يتجاوز حدود المنصب إلى عمق العلاقات المهنية.

ما يميز بعض الشخصيات ليس قدرتها على التكيف فقط، بل قدرتها على الثبات وسط التغيرات. وسليمان عبدوش، كما يراه كثيرون، لم تغيّره المحطات، بل كان هو من يترك بصمته عليها. احتفظ بنفس الروح، بنفس القيم، وبنفس الالتزام، رغم اختلاف السياقات والظروف.

هذا الثبات لا يعني الجمود، بل يعكس وضوح الرؤية والقدرة على التطور دون التفريط في المبادئ. فالمواقف الحقيقية لا تتبدل بتبدل الظروف، بل تزداد رسوخًا كلما اشتدت التحديات.

القلم كموقف لا كمهنة

في نهاية المطاف، لا يُقاس الصحفي بعدد المقالات التي يكتبها، بل بالأثر الذي يتركه. وسليمان عبدوش يمثل نموذجًا للصحفي الذي أدرك أن القلم ليس أداة فقط، بل موقف ومسؤولية.

إنه نموذج يُعيد الاعتبار لفكرة أن الصحافة رسالة قبل أن تكون وظيفة، وأن الكلمة الصادقة قادرة على أن تصنع الفرق، مهما كانت الظروف.

هكذا هم الرجال… تتغير ملامحهم مع الزمن، لكن مواقفهم تظل شاهدة عليهم، ثابتة كالقيم التي آمنوا بها منذ البداية.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram