ما قل ودل

مؤسس شبكة الويب في ذكراها الأربعون…حلمي التكنولوجي انقلب إلى كابوس رقمي

شارك المقال

قبل نحو أربعة عقود، وضع العالم البريطاني تيم بيرنرز-لي حجر الأساس لواحد من أعظم الابتكارات في تاريخ البشرية: “الشبكة العالمية” (Web). كان الهدف بسيطًا وثوريًا في آن واحد و هو إنشاء فضاء مفتوح لتبادل المعرفة يربط البشر دون قيود.

لكن بعد مرور كل هذه السنوات، يخرج “أب الويب” نفسه محذرًا: الواقع الرقمي الذي نعيشه اليوم لم يعد يشبه الحلم الذي بدأ به كل شيء.

من فكرة إلى تحكم في العالم

في عام 1989، داخل أروقة CERN، لم يكن المقترح الذي قدمه بيرنرز-لي سوى محاولة لتنظيم المعلومات بين الباحثين. غير أن هذا المشروع البسيط سرعان ما تحول إلى منظومة عالمية غيّرت طريقة تواصل البشر، والعمل، والتعلم.

ومع تطور الويب، أصبح جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية، إلى درجة أنه لم يعد مجرد أداة، بل فضاء رقمي شامل نعيش داخله.
لكن هذا التوسع السريع حمل معه تحولات عميقة، بعضها لم يكن في الحسبان.

فكانت رؤية الويب قائمة على الحرية والانفتاح، لكن الواقع الحالي يكشف عن هيمنة متزايدة لشركات التكنولوجيا الكبرى، التي أعادت تشكيل الإنترنت وفق مصالحها الاقتصادية.

اليوم، تحوّل الويب إلى ما يُعرف بـ اقتصاد الانتباه:

  • المستخدم لم يعد مستهلكًا فقط، بل أصبح “منتج بيانات”
  • الخوارزميات تحدد ما نراه ونفكر فيه
  • المحتوى المثير للجدل يتفوق على المحتوى المعرفي

وقد عبّر تيم بيرنرز-لي عن قلقه من هذا التحول، واصفًا الويب الحالي بأنه أصبح بيئة تُضخّم الانقسام والمعلومات المضللة بدل أن تعزز المعرفة.

محاولة لإنقاذ روح الويب

في مواجهة هذا الواقع، يقود بيرنرز-لي مشروعًا طموحًا يُعرف باسم Solid، يقوم على فكرة إعادة السيطرة للمستخدم.

يرتكز هذا المشروع على مفهوم “الكبسولات الشخصية” (Pods)، حيث يحتفظ الفرد ببياناته في مساحة خاصة به، بدل أن تكون موزعة بين الشركات.

هذا التحول يعني:

  • البيانات تصبح ملكًا للمستخدم
  • التطبيقات لا تحصل إلا على إذن مؤقت
  • الخصوصية تتحول من شعار إلى واقع

بكلمات أخرى، يسعى المشروع إلى إعادة التوازن بين التكنولوجيا والإنسان، بعد سنوات من اختلال هذا الميزان.

الذكاء الاصطناعي… الأمل والمخاطر

في ظل هذا التحول، يبرز الذكاء الاصطناعي كعنصر جديد يعيد تشكيل المشهد الرقمي.
يراه بيرنرز-لي أداة قوية يمكن أن تخدم البشرية، لكنه يحذر من مخاطره إذا بقي تحت سيطرة عدد محدود من الشركات.

فالذكاء الاصطناعي قد:

  • يحسن جودة الحياة
  • أو يعمّق التلاعب بالمعلومات
  • ويزيد من تركّز القوة الرقمية

وهنا تتجدد نفس الإشكالية:
هل ستكون التكنولوجيا في خدمة الإنسان… أم العكس؟

و رغم كل هذه الانتقادات، لا يزال مؤسس الويب متفائلًا بإمكانية الإصلاح, فهو يرى أن “المعركة من أجل روح الويب” لم تنتهِ بعد، وأن التغيير ممكن إذا توفرت إرادة جماعية من المستخدمين والمطورين وصناع القرار.

 الخيار بأيدي المستخدمين

بعد أربعين عامًا، لم يعد السؤال: ماذا أصبح الويب؟, بل: ماذا نريد أن يكون؟, هل نقبل باستمرار نموذج “الخدمات المجانية مقابل البيانات”؟, أم نسعى إلى استعادة سيادتنا الرقمية؟

الإجابة لا تتعلق بالتكنولوجيا فقط…بل بخياراتنا نحن كمستخدمين في عالم أصبح فيه الويب مرآة لما نريده, أو لما نسمح له أن يكون.

المصدر: RMC -بتصرف-

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram