في خطوة تعكس عودة الدفء إلى العلاقات الثنائية، أكد وزير الشؤون الخارجية والاتحاد الأوروبي والتعاون لمملكة إسبانيا، خوسيه مانويل ألباريس، من مدينة وهران، أن الروابط التي تجمع بلاده بالجزائر تتجاوز الإطار الدبلوماسي التقليدي، لتشمل أبعادًا ثقافية وتاريخية عميقة تجعل منها شراكة استراتيجية قائمة على الحوار والتفاهم.
وجاءت تصريحات المسؤول الإسباني على هامش تدشين المركز الثقافي الإسباني “سيرفانتس”، في حدث رمزي يحمل دلالات قوية على توجه البلدين نحو تعزيز التعاون الثقافي كمدخل لتقوية العلاقات الثنائية.
الثقافة كأداة دبلوماسية ناعمة
لم يعد التعاون بين الدول يقتصر على الاقتصاد والسياسة فقط، بل أصبحت الثقافة إحدى أهم أدوات “القوة الناعمة” في بناء جسور الثقة. وفي هذا السياق، شدد ألباريس على أهمية اللغة والحوار في تقريب الشعوب، معتبرًا أن التبادل الثقافي يشكل ركيزة أساسية لعالم أكثر استقرارًا.
ويُبرز هذا التوجه إدراكًا متزايدًا لدى صناع القرار بأهمية الاستثمار في الثقافة والتعليم كوسيلة لتعزيز التفاهم، خاصة في ظل التحديات الدولية الراهنة التي تتطلب مقاربات جديدة تتجاوز الحلول التقليدية.
إرث أندلسي… ذاكرة مشتركة
من بين أبرز النقاط التي ركز عليها الوزير الإسباني، الإشارة إلى الإرث الأندلسي الذي يجمع بين الشعبين، وهو إرث لا يزال حاضرًا في اللغة، والفنون، والعادات. فقد كان لحضور الأندلس دور محوري في تشكيل هوية ثقافية مشتركة، ما يجعل العلاقات الجزائرية الإسبانية ذات طابع خاص ومتميز.
كما أشار إلى التأثير العميق للغة العربية في اللغة الإسبانية، نتيجة قرون من التفاعل الحضاري في حوض البحر الأبيض المتوسط، وهو ما يعكس تاريخًا من التعايش والتبادل الثقافي الذي يمكن البناء عليه في الحاضر والمستقبل.
اللغة الإسبانية… جسر نحو آفاق أوسع
تُعد اللغة الإسبانية اليوم واحدة من أكثر اللغات انتشارًا في العالم، حيث يتحدث بها أكثر من 500 مليون شخص، ما يمنحها مكانة استراتيجية كأداة للتواصل الدولي. وفي هذا الإطار، أشار ألباريس إلى الاهتمام المتزايد بتعلم الإسبانية في إفريقيا، بما في ذلك الجزائر، باعتبارها وسيلة للانفتاح على فرص جديدة في مجالات التعليم والتعاون والتنمية.
ومن المنتظر أن يسهم مركز “سيرفانتس” في وهران في تعزيز هذا التوجه، من خلال توفير فضاء ثقافي وتعليمي يدعم تعلم اللغة ويشجع على التبادل الثقافي بين البلدين.
نحو مرحلة جديدة من التعاون
زيارة وزير الخارجية الإسباني وتدشين هذا الصرح الثقافي لا يمكن فصلهما عن السياق العام للعلاقات بين البلدين، التي تسعى إلى تجاوز فترات التوتر السابقة وبناء شراكة أكثر توازنًا واستدامة.
فالثقافة، كما يبدو، أصبحت المدخل الأنجع لإعادة بناء الثقة، وفتح آفاق جديدة للتعاون، بما يعزز موقع الجزائر وإسبانيا كشريكين استراتيجيين في الفضاء المتوسطي.
وفي ظل هذه الديناميكية الجديدة، يبقى الرهان الأكبر هو ترجمة هذا التقارب الثقافي إلى مشاريع ملموسة تعود بالنفع على الشعبين، وتكرّس فعليًا مفهوم “الصداقة الاستراتيجية” التي تحدث عنها المسؤول الإسباني.