ما قل ودل

استيراد الأغنام…اختبار حقيقي لحماية القدرة الشرائية

شارك المقال

مرة أخرى، تجد الدولة نفسها أمام امتحان سنوي حساس: كيف تضمن وصول أضاحي عيد الأضحى إلى المواطنين بأسعار معقولة، دون أن يتحول السوق إلى ساحة للفوضى والمضاربة؟ قرار استيراد الأغنام، في ظاهره، حلّ عملي لمعضلة متكررة، لكنه في عمقه اختبار حقيقي لقدرة المنظومة على التنظيم، والرقابة، وكبح جماح الاحتكار.

ليس المهم أن تصل أولى دفعات الأغنام إلى الموانئ، بل الأهم هو ما سيحدث بعد ذلك. التجارب السابقة علمتنا أن النوايا الحسنة وحدها لا تكفي، وأن أي خلل في التوزيع أو غياب للشفافية كفيل بتحويل المبادرة إلى عبء إضافي بدل أن تكون حلًا. فكم من مرة تحوّلت الأغنام المدعمة إلى سلعة نخبوية، أو ضاعت بين دهاليز التوزيع غير المنضبط، أو انتهت في السوق السوداء بأسعار لا تعكس الهدف الأصلي للعملية؟

الحرص على الشفافية…حجر الزاوية

الرهان اليوم يجب أن يكون مختلفًا. المطلوب ليس فقط توفير الأغنام، بل ضمان وصولها بشكل عادل وشفاف إلى المواطن البسيط. وهنا، تصبح الشفافية ليست خيارًا بل ضرورة: تحديد واضح للأسعار، نشر قوائم نقاط البيع، مراقبة صارمة لسلسلة التوزيع، وإتاحة المعلومة للمواطن في كل مراحل العملية. فالمواطن الذي يُطلب منه الثقة، يحتاج بالمقابل إلى معلومة دقيقة ووضوح تام.

في المقابل، تبقى معركة المضاربة هي التحدي الأخطر. فالسوق لا يُصلح نفسه بنفسه في ظل غياب الرقابة الفعالة. أي تهاون في هذا الجانب يعني فتح الباب أمام الاحتكار، وخلق ندرة مصطنعة تلتهم كل الجهود المبذولة. لذلك، فإن تفعيل الرقابة الميدانية، وإشراك الجهات المختصة وجمعيات حماية المستهلك، لم يعد ترفًا تنظيميًا، بل شرطًا أساسيًا لإنجاح العملية.

رقابة صارمة…حتى تصل العيادة لمستحقيها

ما يجري اليوم ليس مجرد عملية استيراد، بل هو اختبار للحوكمة الاقتصادية، وقياس حقيقي لمدى قدرة المؤسسات على التنسيق والعمل المشترك. فنجاح هذا الملف سيعكس نجاعة السياسات العمومية، ويعزز ثقة المواطن في مؤسساته.

إن عيد الأضحى ليس مجرد مناسبة دينية، بل أيضًا لحظة اجتماعية واقتصادية حساسة. والنجاح فيها لا يُقاس بعدد الأضاحي المستوردة، بل بمدى قدرة الدولة على ضمان العدالة، وحماية الفئات الهشة، وترسيخ قواعد سوق منظم وعادل.

المطلوب اليوم ليس وعودًا جديدة، بل تنفيذ صارم، ومراقبة حقيقية، وشفافية لا تحتمل التأويل. فإما أن تكون هذه العملية خطوة نحو إصلاح حقيقي، أو مجرد حل مؤقت يُعيدنا إلى نفس الدائرة التي تمت معايشتها العام الماضي.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram