ما قل ودل

القمة الروحية في الجزائر…لماذا يثير “سلام” البابا قلق باريس؟

شارك المقال

بينما تستعد الجزائر لاستقبال رأس الكنيسة الكاثوليكية تحت شعار “السلام عليكم”، تترقب باريس هذا التقارب بعين الحذر والريبة. هذه الزيارة، وهي الأولى من نوعها منذ استقلال الجزائر، لا تمثل مجرد لقاء ديني، بل هي إعادة صياغة لموازين القوى الناعمة في حوض المتوسط.

و تعتبر فرنسا نفسها “الحامي التاريخي” للمسيحية والكاثوليكية في المنطقة المغاربية بحكم إرثها الاستعماري. تقارب الفاتيكان المباشر مع الجزائر، دون “وساطة” أو تنسيق فرنسي، يُنهي هذه الوصاية المعنوية. باريس ترى في هذه الخطوة اعترافاً صريحاً من الكرسي الرسولي بسيادة الجزائر كمنبر للحوار بين الأديان، بعيداً عن رواسب “الجزائر الفرنسية”.

معركة الذاكرة…القديس أوغسطين جزائرياً

يُركز البابا في خطابه على “العودة إلى الجذور”، مشيراً إلى القديس أوغسطين (المولود في سوق أهراس بالجزائر) كرمز للمسيحية الإفريقية المتوسطية. هذا التوجه يزعج التيارات اليمينية في فرنسا التي حاولت طويلاً احتكار الإرث المسيحي في الجزائر ونسبه للحقبة الاستعمارية فقط. الفاتيكان هنا يؤكد أن المسيحية في الجزائر سابقة للاستعمار الفرنسي بقرون، مما يفرغ “البروباغندا” اليمينية من محتواها.

للإشارة أن ذات الزيارة تمنح الجزائر “شرعية دولية” كبرى في ملفات حساسة كم خلال إظهار الجزائر كدولة مسلمة تحتضن التنوع (رغم الانتقادات الحقوقية) يكسر صورة “الانعزال” التي تحاول بعض الأوساط الفرنسية ترويجها, و فيما يخص الملف الإفريقي فإن التقارب مع الفاتيكان يعزز دور الجزائر كـ “بوابة لإفريقيا”، وهو دور يتصادم مع المصالح الفرنسية التي تشهد تراجعاً حاداً في القارة السمراء.

 التوقيت السياسي والتشويش الإعلامي

تزامن التحضير للزيارة مع تصاعد “التشويش” من قبل وسائل إعلام فرنسية مقربة من اليمين المتطرف، والتي ركزت على ملفات “الحريات الدينية” و”إغلاق الكنائس البروتستانتية” (EPA) للضغط على الفاتيكان لإلغاء أو تعديل لغة الزيارة.

و لا يمكن فصل هذه الزيارة عن التقارب الاستراتيجي (الجزائري-الإيطالي). إيطاليا (مقر الفاتيكان) باتت الشريك الأوروبي المفضل للجزائر، وترى فرنسا في “مباركة البابا” لهذا المسار تعزيزاً للنفوذ الإيطالي على حساب النفوذ الفرنسي التقليدي في “الحديقة الخلفية” لباريس.

لذا فإن انزعاج فرنسا لا ينبع من جوهر “التقارب” بحد ذاته، بل من الجهة التي تقود هذا التقارب. فدخول الفاتيكان على خط العلاقة مع الجزائر يعني انتقال “ملف الجزائر” من “شأن داخلي فرنسي سابق” إلى “قضية دولية إنسانية” تحت إشراف أرفع سلطة روحية في العالم، وهو ما يُفقد باريس ميزة “الاحتكار الجيوسياسي”.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram