ما قل ودل

إستشرافاته نعيشها اليوم…زروال الرجل الذي سبق زمانه

شارك المقال

في زمنٍ كانت فيه الجزائر تتخبّط وسط واحدة من أعنف أزماتها، برز اسم اليامين زروال كأحد الرجال الذين لم يكتفوا بإدارة المرحلة، بل استشراف مآلاتها بعين القائد وعقل الدولة. لم يكن مجرد رئيسٍ عابر في تاريخ البلاد، بل كان صاحب مشروع وطني عميق، حمل في طياته إيمانًا راسخًا بأن الجزائر، مهما اشتدت عليها العواصف، لن تسقط.

رؤية استباقية وسط العشرية السوداء

خلال سنوات العشرية السوداء، حين كان الخوف سيّد المشهد، والدم يكتب يوميات الجزائريين، كان زروال ينظر إلى أبعد من اللحظة الراهنة. لم يستسلم لخطاب الانهيار الذي روّج له البعض أيام “من يقتل من” و حتى “من يكتب لمن”، بل كان يؤمن بأن هذه المرحلة، رغم قسوتها، ستنتهي بانتصار الدولة والشعب تحت لواء بواسل الجيش الشعبي الوطني.

تصريحاته آنذاك لم تكن مجرد كلمات لرفع المعنويات، بل كانت قراءة دقيقة لموازين القوى الداخلية والخارجية. فقد أدرك أن تماسك الشعب الجزائري، ووقوف الجيش إلى جانبه، كفيلان بإفشال كل الرهانات التي كانت تراهن على سقوط الجزائر.

عقيدة الدولة…لا شماتة بل ثبات على المبدأ

من أبرز ما ميّز شخصية زروال هو تمسكه العميق بالقيم والمبادئ. عبارته الشهيرة: “لن نضحك حين يتذوق غيرنا ما ذقناه، لأننا أصحاب مبدأ وعقيدة” تختزل فلسفة رجل دولة حقيقي، لا يؤمن بالشماتة ولا بالانتقام، بل بالثبات الأخلاقي حتى في أحلك الظروف.

هذه النظرة لم تكن مجرد موقف إنساني، بل كانت جزءًا من عقيدة سياسية تقوم على أن قوة الجزائر لا تُبنى على ضعف الآخرين، بل على صلابة جبهتها الداخلية ووحدة شعبها. وهو ما ساهم في إعادة بناء الثقة بين مؤسسات الدولة والمجتمع في مرحلة دقيقة.

نبوءة المكانة الدولية…حين يحسب للجزائر ألف حساب

لم يتوقف استشراف زروال عند حدود الداخل، بل امتد إلى موقع الجزائر في العالم. فقد توقّع أن تستعيد البلاد مكانتها كـ”مكة للأحرار”، وأن تتحول إلى دولة يُحسب لها ألف حساب على الساحة الدولية.

واليوم، ومع التحولات الجيوسياسية المتسارعة، تبدو هذه الرؤية أقرب إلى الواقع. فالجزائر أصبحت فاعلًا إقليميًا مهمًا، ووجهة اهتمام دولي، سواء في ملفات الطاقة أو الأمن أو التوازنات الدولية. وكأن زروال كان يقرأ المستقبل من زاوية مختلفة، مبنية على ثقة عميقة في قدرات بلده.

في رحيل اليامين زروال، لا تفقد الجزائر رجلًا من رجالاتها فحسب، بل تفقد مدرسة في القيادة، ورمزًا للثبات في زمن الانكسار. لقد كان رجل المرحلة الصعبة، وصاحب الرؤية التي تجاوزت حدود الزمن، تاركًا خلفه إرثًا سيظل شاهدًا على أن الدول تُبنى بالإيمان، لا بالخوف.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram