ما قل ودل

الكرة في مرمى الهلال الأحمر…هل تتبنى أندية الجزائر ثقافة الإسعاف؟

شارك المقال

لم تعد كرة القدم مجرد مهارات فنية وأداء بدني داخل المستطيل الأخضر، بل تحولت في السنوات الأخيرة إلى فضاء تتقاطع فيه الإنسانية مع الاحتراف. عبارة “يجب أن تكون مسعفًا قبل أن تكون لاعبًا” لم تعد مبالغة، بل أصبحت واقعًا تفرضه طبيعة المخاطر الصحية المفاجئة التي قد تحدث في أي لحظة. هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل كان نتيجة حادثة هزّت العالم، حين سقط كريستيان إريكسن مغشيًا عليه خلال مباراة في بطولة أمم أوروبا 2020، في مشهد أعاد تعريف مفهوم المسؤولية داخل الملعب.

لحظة إنسانية صنعت وعيًا عالميًا

ما حدث مع كريستيان إريكسن و غيره حتى في الميادين الكروية في الجزائر على غرار وفاة لاعب الجياسكا المرحوم قاسمي و غيره كثيرون لم يكن مجرد حادث عابر، بل نقطة تحول حقيقية. التدخل السريع لزميله في المنتخب، الذي بادر بإجراء الإسعافات الأولية من إنعاش قلبي وتدليك للصدر، كان حاسمًا في إنقاذ حياته قبل وصول الطاقم الطبي. هذه الثواني القليلة صنعت الفارق بين الحياة والموت، وهو ما أكده الأطباء لاحقًا.

هذه الواقعة دفعت العديد من الأندية الأوروبية إلى إعادة النظر في تكوين لاعبيها، فلم يعد التركيز مقتصرًا على الجوانب التقنية والتكتيكية، بل أصبح يشمل التكوين في الإسعافات الأولية، خصوصًا كيفية التعامل مع الأزمات القلبية وحالات الاختناق أو فقدان الوعي. فالملاعب، رغم كل احتياطاتها، تظل فضاءً مفتوحًا لكل الاحتمالات.

تكريم الشجاعة… ورسالة تتجاوز الرياضة

اللافت في هذه القصة لم يكن فقط نجاة اللاعب، بل الاعتراف الدولي بالفعل الإنساني. فقد قامت الفيفا بتكريم اللاعب الذي تدخل لإنقاذ زميله، في رسالة واضحة مفادها أن القيم الإنسانية لا تقل أهمية عن الإنجازات الرياضية. هذا التكريم لم يكن مجرد احتفال، بل دعوة صريحة لترسيخ ثقافة جديدة داخل الملاعب، عنوانها: اللاعب مسؤول أيضًا عن حياة من حوله.

الملاعب الجزائرية…الهلال الأحمر إليك الخط

إذا كانت أوروبا قد استوعبت الدرس سريعًا، فإن الملاعب في الجزائر باتت بحاجة ملحة إلى تبني هذا التوجه. حوادث الموت المفاجئ لم تعد مجرد أخبار نادرة، بل أصبحت مصدر قلق حقيقي، خاصة بعد حادثة وفاة اللاعب سفيان لوكار التي صدمت الوسط الرياضي.

إن تعميم دورات الإسعافات الأولية على لاعبي مختلف الأقسام، وحتى على الطواقم الفنية والإدارية، لم يعد خيارًا بل ضرورة. فالتدخل السريع في اللحظات الحرجة قد ينقذ حياة لاعب، ويجنب عائلات ومجتمعًا رياضيًا بأكمله مآسي لا تُنسى.

و من هذا المنبر نوجه بدورنا خط الاتصال لهيئة الهلال الأحمر لكي تتدخل و تقوم بفرض شهادات الإسعافات الأولية لكل لاعب قصد تفادي هكذا كوارث تؤرق الرياضة الجزائرية و هي في طور تحقيق الإنجازات الإستثنائية.

العودة إلى التكوين الشامل… درس من الماضي

بالعودة إلى فترة الإصلاح الرياضي في الجزائر خلال السبعينات والثمانينات، نجد أن تكوين اللاعب لم يكن يقتصر على الجانب البدني، بل كان يشمل التربية والانضباط وفهم القوانين. أسماء تحكيمية بارزة مثل الراحلان بلعيد لاكارن و محمد حنصال وبنجهان ساهموا في تأطير اللاعبين أكاديميًا، وغرس ثقافة احترام القوانين والمسؤولية داخل الملعب.

اليوم، يمكن استلهام هذا النموذج، لكن بروح عصرية، بإضافة بُعد جديد يتمثل في التكوين الصحي والإنساني، حتى يصبح اللاعب عنصرًا متكاملًا: رياضيًا، أخلاقيًا، وإنسانيًا.

لأنه بصراحة كرة القدم ليست مجرد لعبة، بل مسؤولية جماعية تتجاوز حدود المنافسة. وبين هدف يُسجل وآخر يُضيع، قد تكون هناك حياة على المحك. لذلك، فإن تحويل اللاعبين إلى “مسعفين محتملين” ليس رفاهية، بل ضرورة تفرضها إنسانية اللعبة. ففي النهاية، أعظم انتصار ليس في عدد الأهداف، بل في إنقاذ روح كانت على وشك الرحيل.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram