ما قل ودل

الانتخابات ليست صناديق فقط…بل معركة على مستقبل الدولة

شارك المقال

بقلم السيد رشيق خوذير -ناشط جمعوي-

في كل محطة انتخابية، يُطرح السؤال نفسه “هل تكمن الأزمة في القوانين أم في الممارسة؟”, و يبدو أن الإشكال أعمق من النصوص الدستورية أو الآليات الانتخابية، ليرتبط أساسًا بنوعية النخب التي تصل إلى مؤسسات القرار. فعندما تتحول السياسة إلى وسيلة للامتيازات الشخصية، يفقد البرلمان وظيفته الأصلية كجهاز للتشريع والرقابة، ويتحول تدريجيًا إلى مجرد غرفة تسجيل. وهنا تبدأ الدولة في فقدان توازنها بشكل صامت، لا يظهر أثره فورًا، لكنه يتراكم مع الزمن.

النخبة السياسية… جوهر الأزمة لا شكل النظام


الدول لا تسقط فقط بسبب الفقر أو الأزمات الاقتصادية، بل حين تصبح مؤسساتها خالية من رجال الدولة. الفارق كبير بين من يفكر بمنطق الأجيال، ومن ينشغل بحسابات العهدة، أو من يرى في السياسة بابًا للصفقات والحصانة. البرلمان، باعتباره قلب العملية السياسية، يعكس هذا الخلل بوضوح؛ فاختيار نائب فاسد يعني بالضرورة قوانين فاسدة، واختيار نائب ضعيف يفتح المجال أمام حكومة بلا رقابة، بينما يؤدي وصول أصحاب المال المشبوه إلى تحويل التشريع إلى أداة لخدمة المصالح الضيقة بدل الصالح العام. في المقابل، فإن وجود رجل دولة داخل البرلمان ينعكس مباشرة على جودة القوانين وحماية مؤسسات الدولة.

المال الفاسد والبرلمان…حين تتحول السياسة إلى سوق مصالح


المال الفاسد لا يسعى دائمًا إلى الحكم المباشر، بل يبحث عن النفوذ من داخل المؤسسات، عبر الحصانة البرلمانية والتأثير على القوانين والصفقات. بهذه الطريقة، يتحول البرلمان من فضاء لصناعة القرار الوطني إلى ساحة صراع مصالح، حيث تُصاغ التشريعات وفق ميزان النفوذ لا وفق احتياجات المجتمع. وهنا تصبح الانتخابات معركة غير مرئية بين مشروعين: مشروع دولة يسعى إلى البناء، ومشروع غنيمة يبحث عن التموقع والحماية. هذه الثنائية تفسر كثيرًا من الاختلالات التي تعاني منها الأنظمة السياسية، حيث لا يكون الصراع الحقيقي بين أحزاب، بل بين منطقين متناقضين في فهم الدولة.

رهان الجزائر الجديدة…برلمان يفهم تحديات العصر


في ظل التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، لم يعد مقبولًا أن يظل البرلمان بعيدًا عن فهم القضايا الاستراتيجية الكبرى، مثل الأمن الغذائي، والطاقة، والحرب الاقتصادية، والتوازنات الجيوسياسية في المنطقة. الجزائر اليوم بحاجة إلى نواب يمتلكون رؤية، لا مجرد حضور شكلي، نواب قادرين على التشريع بوعي، ومراقبة الحكومة بجدية، والمساهمة في رسم سياسات تستجيب لتحديات المستقبل. فالمعركة الحقيقية ليست في اختيار أشخاص، بل في تحديد طبيعة الدولة القوية.

في النهاية، تبقى الانتخابات البرلمانية لحظة حاسمة لاختيار المسار، لأن القوانين التي تُسن اليوم قد ترسم ملامح الدولة لعقود قادمة. الشعوب لا تندم على من لم تنتخبه، بل على من منحته ثقتها دون تمحيص. وبين برلمان يصنع القوة وآخر يعمّق الضعف، تبقى الكلمة الفصل بيد الناخب، في معادلة تختزل مستقبل دولة بأكملها.

ملاحظة: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعكس بالضرورة موقف الجريدة.
Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram