تشهد العلاقات الدولية اليوم تحولات عميقة، لم تعد تُقاس فقط بحجم التبادل أو التقارب الظرفي، بل بمدى قدرة الدول على بناء شراكات قائمة على المصالح المتبادلة واحترام السيادة.
و من هذا المنطلق نلحظ أن الجزائر في الآونة الأخيرة تحولت من مجرّد مورد تقليدي للطاقة إلى فاعل رئيسي يملك أوراق قوة مؤثرة في السوق الدولية. هذا التحول جعلها شريكًا استراتيجيًا لدول صناعية كبرى مثل إيطاليا وألمانيا، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بأمن الطاقة.
ولم تعد الجزائر تكتفي بتصدير الموارد، بل تبنّت مقاربة جديدة قائمة على مبدأ “رابح-رابح”، تشترط من خلالها نقل التكنولوجيا وتعزيز التعاون الصناعي.
هذا التوجه يعكس وعيًا متزايدًا بأهمية استثمار العائدات الطاقوية في بناء اقتصاد متنوع ومستدام, كما يفتح المجال أمام شراكات نوعية تساهم في تطوير البنية التكنولوجية المحلية. وبذلك، تعيد الجزائر رسم موقعها في معادلة الطاقة العالمية كقوة تفاوضية صاعدة.
وفي هذا السياق، تبرز العلاقة بين الجزائر وفرنسا كنموذج مركّب، يجمع بين إرث تاريخي ثقيل وإمكانيات تعاون استراتيجية واعدة، ما يجعل أي تقارب بينهما مرهونًا بإعادة صياغة أسس العلاقة وفق منطق جديد ينبغي من خلاله على الآلة الدعائية اليمينية المتطرفة أن تكف على نفث سمومها يمينا و شمالا قصد النيل من سمعة بلد الشهدا.
منطق رابح/رابح…عمولة الجزائر الجديدة
لطالما شكّل ملف الطاقة محورًا رئيسيًا في العلاقات بين البلدين، غير أن المرحلة الحالية تفرض تجاوز هذا الإطار نحو بناء شراكة اقتصادية وصناعية متكاملة. هنا، فإن أرادت فرنسا إعادة ترقيع علاقاتها مع بلدنا الجزائر على الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن يعي الوضع الجديد و يلعب دورًا محوريًا من خلال تبنّي رؤية استراتيجية تنفتح على مجالات الاستثمار، نقل التكنولوجيا، والتصنيع المشترك. فالتحدي لم يعد في تأمين المصالح الآنية، بل في خلق منظومة تعاون طويلة الأمد تحقق قيمة مضافة للطرفين بمنطق رابح/رابح.
لا تفاوض إلّا من موقع القوة
تدخل الجزائر اليوم مرحلة جديدة في علاقاتها الدولية، مستفيدة من تحولات سوق الطاقة وموقعها الجيوسياسي، ما يمنحها هامشًا أوسع في التفاوض. هذا التحول يفرض على الشركاء، وفي مقدمتهم فرنسا، التعامل بمنطق الندية بدل المقاربة التقليدية. فالتقارب الحقيقي لا يمكن أن يتحقق دون خطوات ملموسة تعزز الثقة، سواء عبر تسوية الملفات السياسية العالقة أو عبر إطلاق مشاريع استثمارية تعكس التزامًا فعليًا بالشراكة.
لذا يبقى التحدي الأكبر في قدرة الطرفين على تجاوز إرث الماضي دون تجاهله، وبناء علاقة تستند إلى عقل الدولة ومنطق المصالح بعيدة المدى. الفرصة لا تزال قائمة لإعادة تشكيل هذه العلاقة على أسس أكثر توازنًا، لكن ذلك يتطلب قرارات سياسية جريئة تعكس إرادة حقيقية في الانتقال من إدارة الخلافات إلى صناعة الشراكات.
إن مستقبل العلاقات بين الجزائر وفرنسا لن يُحسم بالشعارات، بل بمدى ترجمة النوايا إلى سياسات عملية. وبين واقعية المصالح وثقل التاريخ، يظل الخيار مفتوحًا أمام البلدين لصياغة نموذج تعاون جديد يحقق التوازن ويخدم مصالح الشعبين في عالم يتغير بسرعة.