عند استحضار ممارسات منظمة الجيش السري “لواس” خلال حرب التحرير الجزائرية، يظهر بوضوح كيف لجأت قوى استعمارية إلى تصعيد العنف في لحظات فقدان السيطرة الميدانية. هذا النمط التاريخي يُستدعى اليوم في الممارسات الإرهابية التي تنتهجها إسرائيل في سياق الصراع مع الفلسطينيين من خلال انتهاجها نمط الإعدامات الإستعراضية للأسرى الفسطينيين، و هو ما يفسر على أنه تصرف يجيئ كرد انتقامي على الهزائم الثقيلة التي يتكبدها الكيان الصهيوني جراء الرشقات الصاروخية من الجيش الإيراني, حيث أن المتفّحص لما كانت تقوم به منظمة لواس بالأمس مع الأسرى الجزائريين و ما يقوم به جيش التساحال ينبع من ينبوع ظلامي واحد, فرغم اختلاف السياقات الزمنية والسياسية، فإن المقارنة تُبنى على فكرة مشتركة “العنف يتصاعد غالبًا عندما تتعقّد المعادلات على الأرض”. فنفس النسق قام به الفرنسيون عندما استشعروا أن وقتهم قد حان للرحيل من الجزائر نظير انهزامهم عسكريا و ميدانيا في الجزائر جراء الضربات القاصمة لبواسل جيش التحرير الوطني.
فرنسا مارست إرهابها بسرية…و إسرائيل تستعرضه في السوشل ميديا
أحد أبرز أوجه الاختلاف بين التجربتين يكمن في طبيعة التوثيق. فخلال الحقبة الاستعمارية الفرنسية في الجزائر، كانت العديد من الانتهاكات تُمارس في إطار من السرية والتعتيم حين كانت فلول منظمة الجيش السري الفرنسية تقتحم السجون و تعدم الأسرى المجاهدين ميدانيا, فمنهم من قضى حرقا و منهم من تجّرع السموم و منهم من دفنوا أحياء أو رمي بهم من الهيليكوبتر, و ذلك كله لكي لا يعيشوا فرحة الاستقلال مع أقرانهم ، بينما اليوم، ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت إسرائيل تمرر رسائلها خصوصا للفلسطينيين في السوشل ميديا, بأن كل تمرد مستقبلي سوف يكون مصيره الإعدامات الاستعراضية التي تتباهى حتى بنشرها في منصات الميتا و التيك توك بلا حسيب أو رقيب, و هو ما يعتبر بمثابة إرهاب إلكتروني, فأين هنا ردود فعل أرباب الميتا و ما شابههم و من هم على شاكلتهم البائسة, أم أن هجمات إيران هي فقط من يتم الرّد عليها بالحظر تارة و المنع من النشر في معظم الأحيان.
إذا فتوثيق مثل هذه الأحداث الإرهابية أصبح سلاحا فتاكا ضمن المعركة الإعلامية من الجيل الخامس. و هذا التحول لا يقتصر على كشف الوقائع فحسب، بل يتعداه إلى توجيه رسائل نفسية وسياسية، وهنا تبرز إشكالية إفلات إسرائيل من اعقاب دوما و في اجتهادها لتكريس مناخ الخوف والتأثير النفسي على الأسرى العزل.
أين هي العدالة الدولية من هذه الإنتهاكات؟
تطرح هذه المقارنات سؤالًا محوريًا حول دور المؤسسات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، في التعامل مع الممارسات الهمجية. فبينما بقيت العديد من الانتهاكات خلال الاستعمار الفرنسي دون مساءلة فورية، تطورت اليوم منظومة القانون الدولي وحقوق الإنسان بشكل ملحوظ. ومع ذلك، لا تزال الانتقادات قائمة اتجاه ما تقوم به إسرائيل من جرائم يندى لها الجبين, إذا فما جدوى فعالية هذه الآليات وحدود تأثيرها في ظل توازنات سياسية معقدة.
و من خلال هذا التحليل نستخلص أن المقارنة بين الماضي الاستعماري والحاضر الصهيوني هما نتاج سياسة تمييز شاذ تنتهج عمدا ضد كل ما هو تحرري في حين يريد الكثيرون تغطيته خصوصا من الناحية الإعلامية لنزعاتهم الاستعمارية التي لا تزال تعشش في داخلهم.