ما قل ودل

بين ابن حزم وواقع اليوم…التاريخ أخطأ في زرع “إسرائيل”

شارك المقال

في نقاش فكري لافت، يطرح الدكتور فوزي البدوي فكرة صادمة مفادها أن العودة إلى تراث الجدل الديني القديم، كما عند ابن حزم، لا تكفي لفهم طبيعة “إسرائيل” المعاصرة. فهذه الأخيرة، بحسب الطرح، ليست امتدادًا مباشرًا لنصوص التلمود أو للخلافات اللاهوتية، بل هي نتاج سياق تاريخي حديث تشكل في قلب المشروع الاستعماري الأوروبي.

هذا الطرح يفتح الباب أمام مراجعة عميقة لطبيعة المقاربة العربية في تحليل الصراع، التي طالما ركزت على البعد الديني، في حين أن الواقع السياسي والتاريخي يبدو أكثر تعقيدًا وتشابكًا.

من الجدل اللاهوتي إلى الصراع الجيوسياسي

اعتمد الفكر العربي، عبر قرون، على نصوص الجدل الديني في فهم اليهودية، حيث تناول علماء مثل ابن حزم قضايا التحريف والنسخ والنبوة، في إطار نقاشات عقدية بحتة. غير أن هذه الأدوات، رغم أهميتها التاريخية، قد لا تكون كافية لفهم كيان سياسي حديث نشأ في سياق مختلف تمامًا.

فـإسرائيل، كما يرى العديد من الباحثين، هي نتيجة مباشرة لتحولات أوروبا في القرن التاسع عشر، حيث تداخلت القومية الصاعدة مع المشاريع الاستعمارية، ليولد من رحمها المشروع الصهيوني كحركة سياسية قبل أن يكون امتدادًا دينيًا.

الجذور الاستعمارية للمشروع الصهيوني

لا يمكن فهم نشأة “إسرائيل” دون العودة إلى البيئة الأوروبية التي أفرزتها، خاصة مع صعود أفكار القومية والبحث عن “وطن قومي” لليهود في سياق أوروبي مشحون بالتحولات. وهنا يبرز دور شخصيات مثل تيودور هرتزل، الذي نظّر لمشروع سياسي قائم على تأسيس دولة لليهود، مستفيدًا من الدعم الغربي آنذاك.

لقد تشكل هذا المشروع في ظل توازنات دولية سمحت بترجمته على أرض الواقع، بعيدًا عن الجدل الديني الكلاسيكي، ما يجعل من الضروري إعادة قراءة “إسرائيل” ككيان سياسي حديث، لا كظاهرة دينية فقط.

نحو قراءة جديدة للواقع

إن الاكتفاء بالمقاربات التقليدية قد يؤدي إلى اختزال الصراع في بعد واحد، في حين أن فهمه يتطلب أدوات تحليل حديثة، تجمع بين التاريخ والسياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية.

فإذا كان ابن حزم قد قدّم قراءة عميقة لليهودية في زمنه، فإن التحدي اليوم يكمن في إنتاج قراءة معاصرة تستوعب تعقيدات الواقع الجديد. قراءة لا تنفي البعد الديني، لكنها لا تجعله التفسير الوحيد، بل تضعه ضمن سياق أوسع يشمل جذور الاستعمار، وتحولات النظام الدولي، وموازين القوى الحديثة.

في هذا الإطار، يبدو أن إعادة التفكير في أدوات التحليل لم تعد خيارًا، بل ضرورة لفهم أدق وأعمق لطبيعة الصراع، بعيدًا عن التبسيط أو الاختزال، وقريبًا من واقع تتداخل فيه السياسة بالتاريخ، وتتشكل فيه الحقائق خارج حدود النصوص القديمة.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram