ما قل ودل

حي مارافال…حكاية ضاعت بين زحام التجارة وحنين الذاكرة

شارك المقال

لم يعد المتجول في أزقة حي مارافال، المعروف اليوم باسم العثمانية، يشعر بأنه في نفس الفضاء الذي كان يُضرب به المثل في الهدوء واللباقة. فالمقارنة بين الماضي والحاضر تفرض نفسها بقوة، وغالبًا ما تنحاز الذاكرة الجماعية إلى زمنٍ لم يمضِ عليه الكثير، لكنه يبدو اليوم بعيدًا بكل تفاصيله.

حي مارافال تحول إلى سوق فوضوي

في حديث مع عدد من قدماء الحي، يبرز شعور واضح بعدم الرضا عمّا آلت إليه الأوضاع. فقد تحوّل الحي تدريجيًا إلى فضاء تجاري غير منظم، حيث أُجبر العديد من السكان على تكييف مساكنهم مع متطلبات الواقع الجديد، فتحولت الفيلات إلى مستودعات ومحلات، بحثًا عن دخل إضافي يخفف أعباء الحياة.

غير أن الإشكال لم يتوقف عند هذا الحد، بل تفاقم مع توسع نشاط تجار الجملة، الذين غيّروا الطابع العام للحي، حتى بات أقرب إلى سوق فوضوي مفتوح. ومع غياب التنظيم والرقابة، طغت مظاهر العشوائية على المشهد العمراني، في تناقض صارخ مع ما كان عليه الحي من انسجام وجمالية.

إرث ثقافي ورياضي مهدد بالاندثار

لم يكن حي مارافال مجرد تجمع سكني، بل كان فضاءً نابضًا بالحياة الثقافية والرياضية، أنجب أسماءً بارزة في مجالات متعددة. من بين هذه الأسماء، اللاعب الدولي الراحل عبد القادر فريحة و داود سفيان، والملاكم المعروف محمد بودشيش، إلى جانب فنانين تركوا بصمتهم في الساحة الفنية، مثل الشاب بلال الذي لا يزال يختم أغانيه بمارافال و طريق “الهاوزن”.

غير أن هذا الرصيد التاريخي، أو ما يُعرف بـ”الباتريموان” اللامادي، بدأ يتلاشى تدريجيًا، في ظل غياب رؤية واضحة لحمايته. حتى المرافق الرياضية، وعلى رأسها مركب ميلود هدفي، لم تسلم من هذا التراجع، حيث فقدت جزءًا كبيرًا من دورها التكويني الذي كان يصنع أجيالًا من الرياضيين.

نزوح السكان وتشويه الهوية العمرانية

ومع تصاعد وتيرة الفوضى العمرانية، ظهرت بنايات شاهقة تجاوزت في بعض الحالات 12 طابقًا، في خرق واضح للقوانين التي تحدد الارتفاعات بخمسة طوابق فقط. هذا التوسع غير المنضبط ساهم في تشويه الطابع المعماري للحي، وأفقده خصوصيته التي ميزته لعقود.

أمام هذا الواقع، اضطر العديد من السكان الأصليين إلى مغادرة الحي، بعد أن باعوا ممتلكاتهم تحت ضغط الإغراءات العقارية، لتتحول بيوتهم إلى كتل إسمنتية مغلقة، تحاصر المكان وتغيّر روحه. وهكذا، لم يبقَ من مارافال سوى الذكريات، من حمامات تقليدية مثل حمامي “شتوان” و”زوليخة”، إلى أفران كانت تعج بالحياة في المناسبات، كـ”كوشة شيكولا” و”المعسكري” و “بلوهراني”.

و بين الحنين إلى الماضي ومرارة الحاضر، يقف حي مارافال شاهدًا على تحولات عميقة، تطرح تساؤلات ملحّة حول مستقبل الأحياء التاريخية في وهران، وحول كيفية التوفيق بين متطلبات التنمية والحفاظ على الهوية.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram