في الجزء الأخير من الحوار الذي أجرته جريدة “المقال” مع المؤرخ البريطاني “مارتن إيفانس” و خلال قراءة أكاديمية عميقة لتاريخ الجزائر، يؤكد ذات المؤرخ أن الجزائر لم تكن مجرد مستعمرة سابقة، بل شكلت نموذجًا عالميًا في حركات التحرر، حيث استطاعت أن تفرض نفسها كقائدة لمسار التحرر في العالم خلال القرن العشرين. هذا الطرح يعيد الاعتبار لدور الثورة الجزائرية في إعادة تشكيل الوعي السياسي لدى الشعوب المستعمَرة، ويكشف في الوقت نفسه عن جوانب خفية من التاريخ حاول الاستعمار طمسها.
الأرشيف الفرنسي…ذاكرة محجوبة وحقيقة مؤجلة
يشير مارتن إيفانس إلى أن كتابة تاريخ الجزائر بدقة لا يمكن أن تتم دون العودة إلى الأرشيف الفرنسي، خاصة ذلك الموجود في مدينة إيكس أون بروفانس، والذي يحتوي على وثائق حساسة تشمل تقارير الشرطة والمخابرات العسكرية. غير أن استمرار فرنسا في التحفظ على هذا الأرشيف يطرح تساؤلات عميقة حول أسباب هذا الغموض، ويعزز الشكوك حول حجم الانتهاكات التي ارتُكبت خلال الحقبة الاستعمارية.
و في تحليله للسياسات الدولية، يرى المؤرخ أن التدخلات الفرنسية في إفريقيا لا يمكن فصلها عن المصالح الاقتصادية والجيوسياسية، حيث تسعى القوى الكبرى إلى الحفاظ على نفوذها من خلال التحكم في الثروات والموارد الاستراتيجية. كما أن البعد اللغوي، خاصة استمرار هيمنة اللغة الفرنسية، يعكس شكلاً من أشكال النفوذ غير المباشر، الذي يهدف إلى إبقاء الدول الإفريقية في دائرة التأثير.
الجزائر…وعي شعبي وتجربة تاريخية حصينة
يبرز إيفانس خصوصية التجربة الجزائرية، معتبرًا أن الشعب الجزائري يمتلك وعيًا تاريخيًا عميقًا يجعله أكثر قدرة على مواجهة محاولات زعزعة الاستقرار. فالتجارب التي مرت بها البلاد، خاصة خلال العشرية السوداء، شكلت درعًا منيعًا ضد أي محاولات خارجية لإعادة إنتاج الفوضى، وهو ما يجعل الجزائر حالة فريدة في محيطها الإقليمي.
و تؤكد الدردشة التي أجريناها مع مارتن إيفانس أن الجزائر ليست فقط صفحة من التاريخ، بل نموذج مستمر في مقاومة الهيمنة وبناء الوعي، وهو ما يجعلها فاعلًا أساسيًا في معادلات التحرر والسيادة إلى اليوم.