ما قل ودل

بين التصعيد السياسي واستئناف التعاون…فرنسا أمام ضجيج السياسة وصوت الدولة

شارك المقال

تشهد العلاقات بين الجزائر وفرنسا منذ فترة حالة من المدّ والجزر، تتأرجح بين لحظات توتر سياسي حاد وتصريحات متشنجة، وبين مؤشرات تهدئة تعكس رغبة متبادلة في الحفاظ على الحد الأدنى من التعاون الاستراتيجي. غير أن اللافت في المرحلة الأخيرة هو بروز خطاب رسمي فرنسي أكثر اتزانًا، يميل إلى تغليب منطق الدولة على حساب ضجيج السجالات السياسية والإعلامية.

 حسابات داخلية وضغط انتخابي

في الوقت الذي تصاعدت فيه بعض الأصوات داخل المشهد السياسي الفرنسي، خصوصًا من التيارات اليمينية، ملوّحة باتهامات ثقيلة تجاه الجزائر، برزت مواقف رسمية أكثر براغماتية، تؤكد أهمية استمرارية التعاون في ملفات حساسة مثل الأمن والهجرة والقضاء. هذا التباين يعكس في العمق صراعًا داخل فرنسا نفسها بين منطقين: منطق انتخابي شعبوي يسعى إلى كسب نقاط سياسية عبر التصعيد، ومنطق مؤسساتي يدرك أن العلاقة مع الجزائر تتجاوز الحسابات الظرفية.

 مصالح مشتركة تفرض التهدئة

السلطات الفرنسية تبدو واعية بحجم المصالح المشتركة التي تربط البلدين. فالتعاون الأمني، على سبيل المثال، يظل ركيزة أساسية في مواجهة التحديات الإقليمية، كما أن التنسيق في قضايا الهجرة يفرض نفسه كأولوية لا يمكن إدارتها بمنطق القطيعة. إضافة إلى ذلك، فإن الروابط الاقتصادية والإنسانية العميقة تجعل من أي توتر طويل الأمد خيارًا مكلفًا للطرفين.

في المقابل، تنتهج الجزائر مقاربة قائمة على الندية واحترام السيادة، حيث ترفض الانجرار إلى الاستفزازات، وتُبقي الباب مفتوحًا أمام أي مبادرة تقوم على أساس المصالح المتبادلة. هذا التوازن بين الحزم والانفتاح يعزز من موقعها التفاوضي، ويفرض على الشريك الفرنسي التعاطي بواقعية أكبر.

 عقدة الماضي وتحديات المستقبل

يبقى ملف الذاكرة أحد أبرز نقاط الخلاف التي تطفو على السطح كلما حاولت العلاقات استعادة دفئها. ورغم حساسيته، إلا أن إدارته بعقلانية تبقى ضرورية لتفادي تحوّله إلى أداة توظيف سياسي داخلي في فرنسا، خاصة في ظل مواعيد انتخابية تدفع بعض الأطراف إلى التصعيد.

في هذا السياق، يمكن القول إن “فرنسا الرسمية” اختارت، على الأقل في هذه المرحلة، تحكيم صوت العقل، من خلال إعادة توجيه الخطاب نحو التهدئة واستئناف قنوات التواصل. غير أن هذا التوجه يظل هشًا، وقابلًا للتأثر بأي تطورات داخلية أو خارجية، ما لم يُترجم إلى خطوات عملية ومستدامة.

في المحصلة، تبقى العلاقة بين الجزائر وفرنسا محكومة بتعقيدات التاريخ وتشابك المصالح، لكنها أيضًا محكومة بواقعية سياسية تفرض على الطرفين تجنب القطيعة. وبين التصعيد واستئناف التعاون، تبدو كفة العقلانية هي الأرجح، في انتظار بناء شراكة أكثر توازنًا واستقرارًا.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram