ما قل ودل

عملية الهجوم على البريد المركزي بوهران…”الضربة الجريئة” التي موّلت شرارة الثورة

شارك المقال

في مثل هذا اليوم، 5 أفريل 1949، شهدت وهران واحدة من أبرز العمليات السرية التي نفذتها الحركة الوطنية الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي، والتي ستتحول لاحقًا إلى محطة مفصلية في مسار التحضير للكفاح المسلح. إنها عملية الهجوم على البريد المركزي، التي لم تكن مجرد “سطو” تقليدي، بل كانت خطوة مدروسة لتمويل ثورة قادمة.

عملية محكمة…التخطيط والتمويه

جاءت العملية بعد فترة من التحضير الدقيق من طرف عناصر المنظمة الخاصة، الجناح السري المسلح التابع لحركة انتصار الحريات الديمقراطية. وبقيادة شخصيات بارزة مثل أحمد بن بلة وحسين آيت أحمد، تم تنفيذ خطة تعتمد على الخداع والسرعة.

ففي صباح يوم ربيعي هادئ، توقفت سيارة من نوع “سيتروان” أمام البريد المركزي، تحمل على زجاجها إشارة “طبيب”. نزل منها رجال بلباس أوروبي أنيق، دخلوا المبنى بهدوء قبل أن يشهروا أسلحتهم ويستولوا على مبلغ يُقدّر بـ 3.178 مليون فرنك قديم، ثم انسحبوا بسرعة دون إثارة الانتباه.

من الغنيمة إلى السلاح

لم يكن الهدف من العملية مادّيًا بحتًا، بل كان استراتيجيًا بامتياز. فقد كانت المنظمة الخاصة تعاني من نقص حاد في التمويل، ما أعاق قدرتها على اقتناء السلاح. وبفضل هذه العملية، تمكّن المناضلون من شراء ما يقارب 600 إلى 700 قطعة سلاح من ليبيا، وهي الأسلحة التي استُخدمت لاحقًا في دعم العمل المسلح الذي تُوّج بـاندلاع ثورة نوفمبر 1954.

وقد تولى محمد خيضر نقل الأموال مستفيدًا من صفته كنائب آنذاك، قبل تهريبها واستثمارها في تجهيز البنية التحتية للثورة، خاصة في المناطق الجبلية مثل الأوراس.

أسماء صنعت تاريخ جزائر الاستقلال

شارك في هذه العملية عدد من المناضلين الذين سيُخلدهم التاريخ، من بينهم سويداني بوجمعة وحمو بوتليليس وبلحاج بوشعيب والحاج بن علة وبختي نميش وغيرهم، وكلهم مناضلون ضمن صفوف الحركة الوطنية.

ورغم نجاح العملية، إلا أن اكتشاف المنظمة الخاصة سنة 1950 أدى إلى اعتقال العديد من أعضائها، حيث صدرت بحقهم أحكام قاسية. كما تعرّض البعض لأبشع أنواع التعذيب، على غرار الشهيد حمو بوتليليس الذي استُشهد دون أن يُعثر على جثمانه إلى اليوم.

الواجب التاريخي يقتضي التأريخ

تبقى عملية بريد وهران واحدة من الأحداث التي لم تنل حظها الكافي في المناهج التعليمية والذاكرة الجماعية، رغم دورها الحاسم في تمويل الثورة. فهي دليل على أن الكفاح لم يكن عفويًا، بل كان نتاج تخطيط وتنظيم وتضحيات سبقت اندلاع الثورة بسنوات.

إن استحضار مثل هذه المحطات ليس مجرد استذكار للماضي، بل هو فعل مقاومة ثقافية في حد ذاته، يعيد الاعتبار لتاريخ نضالي ثري، ويمنح الأجيال الجديدة مفاتيح فهم أعمق لمسار التحرر الوطني.

في ذكرى هذه العملية، يبقى السؤال مطروحًا: هل آن الأوان لإعادة كتابة تاريخنا كما يجب، بما ينصف رجاله وأحداثه؟

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram