ما قل ودل

حين تتحول لغة القوة إلى بداية الأفول…عن تهديدات ترامب لإيران ألمح

ثلاث عينات ممن طغوا في العصر الحديث

شارك المقال

في كل مرحلة من التاريخ، يظهر من يعتقد أن القوة المطلقة قادرة على إعادة رسم العالم وفق إرادته، وأن التهديد هو الطريق الأسرع لفرض النفوذ. غير أن التجارب المتكررة تثبت أن “زمن الجبابرة” لا يدوم، وأن من يبالغ في استخدام القوة غالبًا ما يفتح بابًا لنهايته. وفي هذا السياق، تعود تصريحات دونالد ترامب، التي تحمل تهديدات حادة تجاه إيران، لتثير تساؤلات عميقة حول حدود القوة ومآلات التصعيد.

خطاب القوة…بين الردع والمخاطرة

اللغة التي تقوم على التهديد بـ“محو” دولة من الخريطة ليست مجرد تصريح عابر، بل تعكس ذهنية سياسية ترى في القوة أداة أولى وأخيرة لإدارة الأزمات. هذا النوع من الخطاب قد يُفهم في إطار الردع، لكنه في الوقت نفسه يحمل مخاطر كبيرة، لأنه يرفع سقف التوتر ويدفع الأطراف الأخرى إلى التمسك بمواقف أكثر تشددًا.

وفي عالم اليوم، لم تعد الحروب تُحسم بسهولة، ولا تُدار بمنطق أحادي. فكل خطوة تصعيدية تقابلها حسابات مضادة، وكل تهديد يفتح الباب أمام ردود غير متوقعة، خاصة عندما يتعلق الأمر بدول تمتلك أدوات نفوذ إقليمية وقدرات دفاعية معتبرة.

نهاية الجبابرة…دروس من التاريخ

التاريخ مليء بأمثلة لزعماء وقوى كبرى اعتقدت أن سيطرتها دائمة، لكنها سقطت تحت وطأة التمدد المفرط أو سوء التقدير. من الإمبراطوريات القديمة إلى القوى الحديثة، كانت النهاية غالبًا نتيجة تراكم الأخطاء، لا ضربة واحدة.

فالقوة، مهما بلغت، تظل محدودة بعوامل داخلية وخارجية: الاقتصاد، الرأي العام، التحالفات، والتوازنات الدولية. وعندما تتحول إلى أداة تهديد دائم، فإنها تفقد مشروعيتها تدريجيًا، وتدفع الآخرين إلى البحث عن بدائل وموازين جديدة.

إيران…بين الاستهداف والصمود

في المقابل، تجد إيران نفسها مرة أخرى في قلب معادلة معقدة، بين ضغوط خارجية ومحاولات فرض واقع جديد. غير أن التجارب السابقة أظهرت أن سياسة الضغط لا تؤدي دائمًا إلى النتائج المرجوة، بل قد تعزز من منطق “الصمود” وتدفع نحو مزيد من التصلب.

كما أن المشهد الدولي لم يعد كما كان في السابق، حيث تتداخل فيه قوى متعددة، وتتشابك فيه المصالح بشكل يجعل أي مواجهة مفتوحة مكلفة للجميع. وهو ما يحدّ من قدرة أي طرف على فرض إرادته بشكل مطلق.

و ما يميز المرحلة الحالية هو التحول التدريجي نحو عالم أكثر تعددية، حيث لم تعد الهيمنة الأحادية ممكنة كما كانت. هذا التحول يفرض على الجميع، بما في ذلك القوى الكبرى، إعادة النظر في أساليبها، والانتقال من منطق الإملاء إلى منطق التوازن.

وفي هذا السياق، قد تكون التصريحات النارية مؤشرًا على مرحلة انتقالية، أكثر مما هي تعبير عن قوة مطلقة. فكلما ارتفعت حدة الخطاب، دلّ ذلك أحيانًا على صعوبة الواقع، لا على سهولة الحسم.

في النهاية، يبقى الدرس الأهم أن التاريخ لا يُكتب فقط بالقوة، بل أيضًا بالحكمة. وأن من يظن نفسه فوق القواعد، قد يجد نفسه يومًا خاضعًا لها, فنهاية الجبابرة لا تبدأ بالسقوط, بل تبدأ حين يعتقدون أنهم لا يسقطون.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram