ما قل ودل

رحلة البابا الإفريقية…الرّسائل والإحراجات والتّصورات المسْبَقة

شارك المقال

كنت قد كتبت عن أوغسطين منذ سنوات، وتناولت زيارة البابا إلى الجزائر في صفحتي، وكانت التّعليقات والردّود مختلفة، وأعْذَر من ليس له اطّلاع لا على الدّوناتية ولا على أعمال أوغسطين ولا تاريخ المسيحيّة قبل الإسلام في شمال إفريقيا.

كانت بداية تولّي روبرت فرنسيس بريفوست البابوية بإعلانه أنّه “ابن القدّيس أو غسطين” وحتى لا نُثقل على القارئ يمكنه العودة إلى فهم “الرّهبنة الأوغسطينيّة” وكيف تأثّر بها لوثر وشكّلت حضوراً في الفلسفة الغربيّة الحديثة والمعاصرة، ليس في القضايا الدّينية فقط ولكن في مسائل السلام والحرب والحب والرغبة والإرادة وغيرها، ويعود إليه اليوم من يرى أن الليبرالية انتهت إلى التوحش، ليتخذ من مقولة أوغسطين: “أؤمن قبل الفَهم” على أن العقلانية الغربيّة كانت بعض نتائجها كارثيّة لأنها أقصت الإيمان والأديان بالمعنى العام “التّراث” ويحمّلون في ذلك ديكارت الذي استفاد من “شك أوغسطين”. كما أن قضايا الذكاء الاصطناعي وما يطرحه من تهديد أن يكون بديلاً للعقل البشري وأزمات المناخ تجعل من نصوصه حيّة لتواصل حضورها عبر فهمها وتأويلها.
ومن هنا “عالمية أوغسطين” الذي ظُلم مرتين: حين اختزله الغرب في مخيّلته وكنيسته الكاثوليكيّة، وظُلم حين رفضناه لأنه حارب الدّوناتية بعد مناظرات تاريخية (وضروري اعتبارها جزءاً من ثقافة الحوار في تاريخنا) رغم المأساويّة التي انتهى إليها الصراع الدّيني مثل الحروب الدينية الثلاثين في القرن السّابع عشر التي رمى فيها متطرفون بروتستانت ممثل الإمبراطورية الرومانية الكاثوليكية من النافذة وهم في اجتماع.

أطرح أمامكم دون أن أثقل عليكم

– هل نقرأ التاريخ الطويل بكل تناقضاته وسياقاته من خلال رؤية “الثورة التحريرية” ومفاهيم “الحركة الوطنية”؟ مثل ما نقرأ بعقلية الشقاق الفتح الإسلامي والبداية دوماً بحروب عقبة بنافع مع الأمازيغ، ويكون النسيان لمغراوة البربريّة الذين وفدوا على الخليفة عثمان بن عفان – رضي الله عنه- وأمّر منهم صولات بن وزمار حاكماً ؟

– أوغسطين كان يرى امتداد الكنيسة بامتداد الإمبراطورية الرومانية (مفاهيم الوطن بمعاني “مدينة الله”)، وظلّ يقول “أنا إفريقي”، وكان معه مسيحيون كاثوليك أيضاً أمازيغ، وقبله الذي استفاد منه في القرن الثاني ميلادي ترتيليون البربري القرطاجي، والدوناتيون أيضاً شاركوا مع هجومات الوندال الوحشية وهم أغراب أيضاً ومحتلّون.

– نعم الدوناتية موّحّدة واندمجوا مع الإسلام مثل الأريسية في الأندلس والمونتانية وغيرها من الطّوائف التي أسمتها الكنيسة “الحركات الهرطقيّة”، وقد كانوا يفضلّون الشهادة من أجل الدفاع عن أرضهم ودينهم، وشجعوا ما يسمى اليوم “العمليات الانتحارية”.

– عن زيارة البابا نود من خلال تعميق “ذاكرة التطهير” وهي أنّ الكاثوليكية في الجزائر ارتبطت مع الاستعمار (لافيجري) ولكن هناك مرحلة أخرى هي استمرار اليوم لما يقوم به أسقف الجزائر جون بول فيسكو في الارتباط بالوطنية وبخدمة سكان الوطن واحترام قوانين ممارسة الشعائر الدينية وقد تحصل على الجنسية الجزائرية بقرار من رئيس الجمهورية مثل ما تحصل عليها دوفال محمد الذي ساند الثورة والاستقلال و وهنري تيسييه الجزائري الذي أوصى بدفنه في الجزائر بعد موته في ليون بفرنسا، ودماء بيير كلافييري قس وهران الذي قتله الإرهاب مع سائقه محمد ممتزجة، وهي رمزية بالغة الأهمية، ومقتل أباء تبحرين. إن ذلك يزيدنا إيماناً في التمسك بإسلامنا، والقرآن استثنى من أهل الكتاب “الذين ظلموا”.

– سمعت مؤخراً ضمن الحملة ضدّ الزيارة من معارضين في الخارج، قيادي سابق في الفيس قرأ كتابين او فصول منها يستغل مسألة الدوناتية في الدعوة إلى الثورة والتمرّد ويظهر مدى جهله بالنصوص الأوغسطينية وبالأحداث.

– ألا يصبّ قول من لا يدري بالاختيارات الثنائية (إما هذا أو هذا) في “نحن استمرار للدوناتية” أو ننتسب إليهم فقط، في مقولة “العرب غزاة”؟ ألا يعلمون أنه بقية البربر كانوا وثنيين زمن أوغسطين ودوناتوس؟

– علينا أن ندرك – مهما اختلفنا وكانت مواقفنا من هذه الزيارة- أنّ جزائرية وإفريقية أوغسطين ليس معناه قبوله بتثليثيته ورومنته وبعض أفكاره مثل “الحرب العادلة” ذات المضمون المرتبط بما عاشه، ولكن يستمرّ معنا كسوق أهراسي وهيبوني أحب أرضه ودافع عن قيمة الإيمان والإخلاص وخدمة الآخرين والحب والإرادة من أجل “مدينة الله” وهي التي ننكر فيه الذات “الشهوات والأطماع والفساد- ونعلي فيها الله بحبّه وطاعته.

– تاريخ الجزائر هي هذا الكلّ المتنوع والمتناقض والثّري، و”ذاكرة الشقاق” المتلبّسة بسياقتنا اليوم وبأثر الاستعمار وبعض برامج التربية والتاريخ والدّرس الديني، وبالصراع الدولي لا تمنعنا من أن نكون من أهل السؤال والمراجعة وإعادة بناء قضايا الهوية والذاكرة بأسس علميّة.

– الجزائر مهما كانت الظروف والأحوال فهي أكبر بإسلامها وثورتها وتاريخها المتنوع، هي جسر الضّفتين، ولها من الإمكانات لتكون الجسر القوي للحوار والتعايش، ورمزية للكرامة والتحرّر.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram