ما قل ودل

سقوط السرديات القديمة…إيران تفرض قواعد اشتباك جديدة

شارك المقال

على عكس ما جرى خلال حرب العراق سابقا من تحيز إعلامي الذي أوصل بلاد الرافدين إلى حبل المشنقة, ها هم المحّللين السياسيين هذه المرة يترددون في استنساخ التجربة العراقية على ما يجري ميدانيا حاليا في إيران , فلم تعد القراءات الحاسمة حول مآلات المواجهة مع الولايات المتحدة هي سيدة الموقف, بل بات التريث و عدم الحكم المسبق هو العملة السائدة, و هو ما يكشف عن طبيعة المشهد المركّب، حيث تختلط المعطيات العسكرية بالسياسية، وتتشابك الحسابات الإقليمية بالدولية.

فشل السردية التقليدية؟

يرى بعض المتابعين أن الأداء الأمريكي لم ينجح في تحقيق أهدافه الاستراتيجية، خاصة في ما يتعلق بفرض توازنات جديدة عبر الضغط أو الردع. ويُطرح هنا سؤال جوهري: هل تعثرت “الآلة الدعائية” في مواكبة الواقع الميداني؟ أم أن المشهد برمته يتجاوز منطق الانتصار والهزيمة السريعة؟

مقارنة ما يحدث اليوم بما جرى في العراق خلال بداية الألفية تبدو مغايرة، فالسياق الدولي تغيّر، وموازين القوى لم تعد أحادية كما كانت، كما أن طبيعة الصراع لم تعد تقليدية، بل باتت أقرب إلى “حرب استنزاف متعددة المستويات”، تشمل الاقتصاد، والتكنولوجيا، والإعلام، إلى جانب العامل العسكري.

توازنات القوة… من يوقف من؟

الحديث عن “توازن قوى” جديد يفرض نفسه بقوة في هذا السياق. فإيران، بما تمتلكه من أدوات نفوذ إقليمية، تسعى إلى تثبيت موقعها كفاعل لا يمكن تجاوزه، في حين تحاول الولايات المتحدة الحفاظ على حضورها وتأثيرها في منطقة حيوية لمصالحها. وبين هذا وذاك، تتحرك قوى أخرى، مثل روسيا والصين و لو في الخفاء بما يعرف حروب الوكالة، في محاولة لإعادة تشكيل النظام الدولي وفق توازنات جديدة.

هذا التعدد في مراكز القوة يجعل من الصعب الحديث عن حسم سريع، ويعزز فكرة أن ما يجري هو جزء من صراع طويل الأمد، تُستخدم فيه أدوات متنوعة، من العقوبات الاقتصادية إلى التحالفات العسكرية، ومن الحرب السيبرانية إلى التأثير الإعلامي.

المحّللون حائرون لما يجري

في ظل هذا التعقيد، يجد الإعلام نفسه أمام تحدٍ مزدوج: من جهة، نقل الوقائع بدقة، ومن جهة أخرى، تجنب السقوط في فخ التبسيط أو التهويل. فبعض السرديات تميل إلى تصوير ما يحدث كـ“انتصار حاسم” لطرف على آخر، في حين أن الواقع أكثر تدرجًا وتشابكًا.

كما أن غياب معلومات دقيقة أو موثوقة من بعض ساحات التوتر يدفع إلى الحذر في التحليل، وهو ما قد يُفسَّر خطأً على أنه “انسحاب” أو “تردد” من قبل المحللين، بينما هو في الحقيقة محاولة لتفادي إصدار أحكام متسرعة.

إيران وقود لعالم متعدد الأقطاب

أحد أبرز الدروس المستخلصة من هذه التطورات هو أن العالم يتجه تدريجيًا نحو نظام متعدد الأقطاب، حيث لم تعد قوة واحدة قادرة على فرض إرادتها بشكل مطلق. هذا التحول يفتح الباب أمام توازنات جديدة، لكنه في الوقت ذاته يزيد من احتمالات التوتر، بسبب تعدد المصالح وتضاربها.

في هذا السياق، يصبح “إيقاف” صعود قوة ما أمرًا معقدًا، لأن كل فاعل دولي يتحرك ضمن شبكة من التحالفات والضغوط المتبادلة. وبالتالي، فإن ما يجري لا يُختزل في صراع ثنائي، بل هو جزء من إعادة تشكيل أوسع للنظام العالمي.

و ما نشهده اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل مرحلة انتقالية في العلاقات الدولية، حيث تتغير قواعد اللعبة تدريجيًا. وبينما تتباين القراءات والتحليلات، يبقى المؤكد أن فهم هذا الواقع يتطلب مقاربة متعددة الأبعاد، تتجاوز الأحكام السريعة نحو تحليل أعمق يأخذ بعين الاعتبار تعقيد المصالح وتشابكها, ففي عالم متعدد الأقطاب… لا تُحسم الصراعات بسرعة، بل تُدار بحسابات دقيقة وطويلة النفس.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram