ما قل ودل

غابة كاناستيل في خطر…حي المنزه تحت رحمة صماصرة العقار

شارك المقال

لم يعد القلق مجرد هاجس بيئي عابر، بل تحوّل إلى حقيقة تطرق أبواب سكان وهران، مع تزايد الحديث عن احتمال زحف المشاريع العقارية نحو غابة كاناستيل، التي لطالما اعتُبرت المتنفس الطبيعي و”رئة المدينة” التي تمنحها التوازن البيئي والهدوء.

فبعدما غيّر الإسمنت ملامح أحياء كاملة، وعلى رأسها حي المتزه، حيث تراجعت المساحات الخضراء لصالح إقامات شاهقة، باتت المخاوف اليوم تتجه نحو كاناستيل، التي لا تزال تحتفظ بشيء من روح الطبيعة وسط زحف عمراني لا يتوقف.

من الغابة إلى الإسمنت… سيناريو يتكرر

ما يحدث اليوم يعيد إلى الأذهان سيناريوهات سابقة، حيث تحولت مساحات طبيعية إلى كتل خرسانية، تحت مبرر تلبية الطلب المتزايد على السكن. غير أن هذا التحول، رغم أهميته الاجتماعية، جاء في كثير من الأحيان على حساب التوازن البيئي وجودة الحياة.

غابة كاناستيل، التي كانت بالأمس فضاءً للتنزه والراحة، مهددة اليوم بأن تصبح مجرد ذكرى، إذا ما استمرت الضغوط العقارية دون ضوابط واضحة. فالمسألة لم تعد مجرد مشاريع سكنية، بل تتعلق بمصير فضاء بيئي يشكل جزءًا من هوية المدينة.

تحذيرات رسمية… وواقع يطرح التساؤلات

في هذا السياق، تكتسي تصريحات والي وهران السيد “ابراهيم أوشان” أهمية خاصة، حيث سبق له أن حذر من تلاعبات بعض المرقين العقاريين، واصفًا إياهم بأنهم “باعوا وهران”. هذا التصريح القوي لا يمكن قراءته ككلام عابر، بل يعكس إدراكًا رسميًا لخطورة ما يحدث في سوق العقار، من تجاوزات قد تمس التوازن العمراني والبيئي للمدينة.

غير أن الإشكال الذي يطرحه المواطنون اليوم هو الفجوة بين هذا التحذير والواقع الميداني، حيث لا تزال المخاوف قائمة من تكرار نفس السيناريو في مناطق حساسة مثل كاناستيل. فحين يُقرّ المسؤول بوجود اختلالات، يصبح المطلوب ترجمة هذا الوعي إلى إجراءات صارمة توقف أي تجاوز قبل وقوعه.

كما أن وصف “بيع وهران” يحمل دلالة رمزية عميقة، توحي بأن المسألة لم تعد مجرد مشاريع استثمارية، بل تحوّلت إلى استنزاف لمقومات المدينة، سواء من حيث المساحات الخضراء أو الطابع العمراني المتوازن.

تصريحات والي وهران تطلق صفارات الإنذار

في المقابل، برزت أصوات مواطنين وفاعلين محليين ترفض بشكل قاطع المساس بالغابة، معتبرين أن ما يحدث هو “تعدٍّ على الحق الجماعي في بيئة سليمة”. فبالنسبة لهم، لا يمكن تعويض الغابة بإسمنت، ولا يمكن اختزال التنمية في بناء الإقامات فقط.

ويؤكد هؤلاء أن وهران بحاجة إلى توازن حقيقي بين التوسع العمراني والحفاظ على المساحات الخضراء، خاصة في ظل التغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة، حيث تصبح الغابات الحضرية ضرورة لا ترفًا.

التحولات التي شهدتها بعض الأحياء، والتي كانت تُعرف بالهدوء والجمالية، كشفت عن اختلالات في التخطيط العمراني، حيث تحولت مناطق سكنية راقية إلى فضاءات مكتظة تفتقر أحيانًا لأبسط مقومات الراحة.

ومع الحديث عن إمكانية تكرار نفس السيناريو في كاناستيل، يطرح السؤال نفسه, هل نحن أمام فوضى عمرانية أم غياب لرؤية استراتيجية تحمي ما تبقى من المساحات الطبيعية؟

فما تعيشه وهران اليوم ليس مجرد نقاش حول مشروع أو حي، بل هو اختبار حقيقي لمدى قدرة المدينة على حماية ذاكرتها البيئية. فغابة كاناستيل ليست فقط أشجارًا، بل فضاءً للعيش، وملاذًا للأجيال، ورمزًا لهوية حضرية متوازنة.

إن الحفاظ عليها لا يعني الوقوف ضد التنمية، بل الدفاع عن تنمية مستدامة تحترم الإنسان والمحيط معًا.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram