ما قل ودل

من زي وافد إلى موروث جزائري…الجبادولي يطالب بحقه التاريخي

شارك المقال

في كل مرة يُفتح فيها ملف التراث، تتجدد الأسئلة حول الهوية والانتماء،فبعد الجدل الذي رافق نسب كل من فن الراي والكسكسي الذان أرادت أطراف نسبهما إليهما زورا و بهتانا، ها هو يطفو على السطح اليوم نقاش جديد حول زي “الجبادولي”، الذي أصبح بدوره محل شدّ وجذب يريد سراق الهويات نسبه لثقافاتهم.

الجبادولي…من لباس عثماني إلى رمز جزائري

بحسب مهتمين بالتراث، دخل “الجبادولي” إلى الجزائر خلال الحقبة العثمانية، وتحديدًا مع بداية القرن السادس عشر، حيث كان يُرتدى من قبل فئات اجتماعية راقية، فترجع تسميته حسب الأبحاث التاريخية إلى جبة الدولة يعني لباس العاملين في أعلى المناصب خلال العهد العثماني, قبل أن يتحول تدريجيًا إلى جزء من اللباس التقليدي الجزائري. ومع مرور الزمن، اكتسب هذا الزي طابعًا محليًا مميزًا، سواء من حيث التصميم أو الأقمشة أو طريقة اللبس، ليصبح حاضرًا بقوة في الأعياد والمناسبات.

ويتميّز “الجبادولي” بكونه لباسًا تقليديًا يجمع بين الأناقة والبساطة، وغالبًا ما يُلبس مع الطربوش أو البرنوس، ما يعكس ارتباطه بالهوية الثقافية الجزائرية. هذا التحول من زي وافد إلى موروث محلي يعكس قدرة المجتمع على التكيّف وإعادة تشكيل عناصر الثقافة وفق خصوصيته.

بين التبادل الثقافي و صراع النسب

غير أن هذا الامتداد التاريخي لم يمنع بروز جدل جديد حول “نسب” هذا الزي، خاصة مع محاولات – بحسب ما يتداوله بعض الفاعلين – لإدراجه ضمن تراث دول مجاورة. وهو ما أعاد إلى الأذهان الجدل السابق حول الراي والكسكسي، حيث اختلطت مفاهيم التبادل الثقافي المشروع مع محاولات نسب أحادية للتراث.

في هذا السياق، عبّر عدد من الحرفيين وبائعي هذا اللباس، خاصة في مدن مثل وهران، عن استيائهم مما يعتبرونه “طمسًا للهوية”، مؤكدين أن الجبادولي في شكله الحالي هو نتاج تطور محلي جزائري، حتى وإن كانت جذوره التاريخية عثمانية.

اليونسكو…الهوية تحتاج إلى حماية

أمام هذا الجدل، برز توجه لدى بعض الجمعيات والمهتمين بالتراث نحو التحرك على المستوى الدولي، من خلال التواصل مع اليونسكو، بهدف تسجيل الجبادولي ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي المرتبط بالجزائر.

هذه الخطوة، إن تحققت، لن تكون مجرد إجراء إداري، بل اعترافًا دوليًا يساهم في حماية هذا الموروث من أي محاولات للسطو أو التوظيف غير الدقيق. كما تعكس وعيًا متزايدًا بأهمية توثيق التراث في زمن العولمة، حيث تصبح الحدود الثقافية أكثر هشاشة.

إذا فالجبادولي، ليس مجرد لباس، بل رمز لذاكرة جماعية، يعكس تاريخًا من التفاعل والتطور. وبين من يرى فيه تراثًا مشتركًا، ومن يعتبره جزءًا أصيلًا من الهوية الجزائرية، تبقى الحقيقة أن حماية التراث لا تعني الانغلاق، بل التوثيق والاعتراف, ففي زمن تتقاطع فيه الثقافات… يصبح الدفاع عن الهوية مسؤولية جماعية، لا مجرد رد فعل ظرفي.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram