
أ.د. بوعرفة عبد القادر
نبدأ أول الأمر بتأمّل ميتا -تاريخي لمفارقة تاريخية، بين رحلة المُبشر شارل لافيجري ومقولته ( عدنا يا محمد) وبين رحلة البابا ليون الرابع عشر وشعاره (سلام أوغستين)، هذا التحوّل الدلالي الذي يختزل مسارًا تاريخيًا كثيفًا: من عنف الرمزية الكولونيالية إلى إمكانات التلاقي الحضاري، ومن “وقاحة” التنصير القسري إلى “سماحة” الحوار الممكن.
تُقرأ زيارة ليون الرابع عشر إلى الجزائر في أبريل 2026 بوصفها لحظةً تأويليةً تتجاوز ظاهر الحدث الديني إلى عمق البنية الجيوسياسية للمعنى. فهي ليست مجرد عبور بابوي في جغرافيا المتوسط، بل هي إعادة تشكيل لـ “أفق الانتظار” في علاقة الجزائر بالغرب، وخصوصًا بفرنسا، حيث تتقاطع الذاكرة الكونوليانية مع رهانات الحاضر.
استحضرْ في المقابل صورة شارل لافيجري، الذي مثّل منذ 1867 تجلّيًا لما يمكن تسميته بـ “الفكر التبشيري الكولونيالي”، حيث لم يكن الدين عنده مجرد إيمان، أو محبة، أو سلام، أو تعارف، بل كان أداة لإعادة هندسة الإنسان، والأرض معًا. لقد اشتغل لافيجري داخل أفق مشروع كولونيالي يسعى إلى تفكيك البنية الرمزية للمجتمع الجزائري، عبر تنصير مُقنّع بمشاريع اجتماعية وتعليمية، هدفها النهائي إنتاج ذاتٍ منزوعة الانتماء، مُعاد تشكيلها وفق مركزية أوروبية مسيحية. وقد كان الصديق بوزيد بومدين قد فصّل في هذه الرمزية في مقاله الموسوم: “رحلة البابا الإفريقية…الرّسائل والإحراجات والتّصورات المسْبَقة. ”
يجب أن نقارنْ بين نموذجين: نموذج لافيجري الذي يُجسّد “العنف الرمزي” كما يُفهم في حقل علم الاجتماع، حيث يُفرض المعنى من الخارج تحت غطاء الخلاص، ونموذج ليون الرابع عشر الذي يُقدَّم اليوم كفاعل في “أخلاقيات الحوار” أولًا، وثانيًا “أخلاقيات الاعتراف”، حيث يتحول الدين من أداة هيمنة إلى لغة اعتراف متبادل، ويتحول القديس أوغستين إلى رمز للاعتراف والحوار، كما هو الحال عندنا في شخص الأمير عبد القادر.
سأدرجْ الحدث ضمن سياق أوسع، فالجزائر ما بعد الاستقلال لم تعد موضوعًا للتاريخ الكولوياني، بل ذاتًا فاعلة تُعيد كتابة موقعها ضمن الفضاء الإفريقي–المتوسطي. إن استقبالها للبابا لا يُقرأ كاستجابة، بل كفعل سيادي يُعيد تعريف العلاقة مع الآخر. هنا، تنتقل الجزائر من موقع “المُستهدَف” إلى موقع “المُؤوِّل”، ومن كونها موضوعًا للتنصير إلى كونها إطارًا لإنتاج معنى التعايش، والعيش المُشترك، والاعتراف المتبادل.
برز الخطاب الرسمي الجزائري كخطاب يؤسس لقلب المعادلة التاريخية السالفة، فالدولة لا تستقبل بوصفها هامشًا في مركزية غربية، بل بوصفها مركزًا لذاتها، قادرة على استيعاب الاختلاف دون أن تفقد مرجعيتها الإسلامية. بهذا المعنى، تتحول الزيارة إلى ما يمكن تسميته بـ “رأسمال رمزي” يُستثمر في إعادة تلميع الصورة الدولية، وفتح نوافذ دبلوماسية ناعمة في لحظة توتر مع دولة غربية بعينها.
وإذا أردنا توسيعْ القراءة سنُدرك أن “السماحة” هنا ليست قيمة أخلاقية مجردة، بل هي استراتيجية وجود أولا، حيث تُمارس الجزائر نوعًا من “السيادة التأويلية” وأيضا “السيادة التاريخية”، عبر إعادة إدماج الحدث الديني داخل نسقها الثقافي والسياسي، دون أن تسمح بانزلاقه إلى اختراق تبشيري جديد، أو مشروع نيو- كولونيالي.
اختم النص من منظور فلسفي يؤكد على أن هذا التحوّل من لافيجري إلى ليون الرابع عشر لا يعكس فقط اختلاف شخصين، بل اختلاف نمطين من الوعي، قصد كولونيالي يرى في الدين وسيلة للامتداد، والهيمنة، والاستلاب، و بين وعيٍ حضاري معاصر يسعى إلى جعل الزيارة أفقًا للتعايش.
وهذا يُفسر أن الجزائري يرفض وقاحة الماضي و يستقبل سماحة الحاضر، وهذا يُبين أن الجزائر كينونة تاريخية قادرة على تحويل الذاكرة من عبءٍ إلى أداة، ومن جرحٍ إلى إمكان، لكن دون أن ننسى، وستظل مئذنة جامع الجزائر الأعظم ردا بليغا على مكان وقوف لافيجري، وسيظل سان أوغستين معلما على الاعتراف، والتعارف….
إن الأنتلجنسيا الجزائرية تراهن على كسر “فوبيا الآخر” التي صنعها الإعلام الغربي في مخيال مجتمعاته، كما تريد في الوقت نفسه أن تؤسس لمنطق الندية، فالعالم أكبر من يبقى لقطبية بعينها، فالأرض للجميع، والسلام هو المرتجى، والعيش المشترك هو الغاية… لنعمل حول ما اتفقنا حوله، وليعذر بعضنا بعضا حول ما اختلفنا فيه.