في خضم ما شهدته منطقة الشرق الأوسط من تصعيد عسكري خطير، لم تعد الأسئلة محصورة في من ربح ومن خسر، بل امتدت إلى ما هو أعمق: ماذا بعد؟ وهل يمكن أن تتحول هذه اللحظة القاسية إلى نقطة انطلاق نحو إعادة ترتيب التوازنات الإقليمية؟
الحرب التي طالت إيران وامتدت تداعياتها إلى بلدان المشرق العربي، كشفت بوضوح حجم التشابك في المصالح، كما أبرزت هشاشة الواقع الإقليمي أمام الأزمات الكبرى. وفي خضم هذا المشهد، يبرز طرح جديد-قديم عن ضرورة بناء تحالف إقليمي واسع، يضم إلى جانب الدول العربية كلًا من تركيا وباكستان.
من الصراع إلى إعادة التفكير
الأزمات الكبرى غالبًا ما تُنتج تحولات غير متوقعة. فحين تتقاطع التهديدات، تتقارب المصالح، حتى بين أطراف كانت متباعدة. ما حدث مؤخرًا أعاد طرح فكرة أن الأمن في المنطقة لم يعد شأنًا وطنيًا ضيقًا، بل قضية مشتركة تتطلب مقاربة جماعية.
فالوقائع أظهرت أن أي تصعيد في دولة ما، سرعان ما يمتد تأثيره إلى محيطها، اقتصاديًا وأمنيًا وحتى اجتماعيًا، ما يجعل فكرة “المصير المشترك” أكثر واقعية من أي وقت مضى.
تحالف الضرورة… لا تحالف الشعارات
الدعوة إلى إقامة تحالف إقليمي لا ينبغي أن تُفهم كخطاب عاطفي، بل كمشروع قائم على المصالح المتبادلة. فهذه الدول، رغم اختلافاتها، تشترك في تحديات كبرى: الأمن، الطاقة، الاستقرار، ومواجهة الضغوط الدولية.
غير أن نجاح مثل هذا التحالف يبقى مرهونًا بقدرته على تجاوز الخلافات التاريخية، وبناء أرضية واقعية للتعاون، تقوم على المصالح لا الشعارات.
ورغم وجاهة الفكرة، فإن الطريق نحو تحالف بهذا الحجم ليس مفروشًا بالسهولة. فالتباينات السياسية، والاختلافات في الرؤى، والتجاذبات الدولية، كلها عوامل قد تعرقل أي مشروع وحدوي.
لكن في المقابل، فإن استمرار الأزمات دون تنسيق إقليمي قد يكون أكثر كلفة، وهو ما يجعل من التفكير في صيغ تعاون جديدة ضرورة لا خيارًا.
و التاريخ يُظهر أن اللحظات الصعبة قد تتحول إلى فرص لإعادة البناء، إذا ما توفرت الإرادة السياسية. وما تعيشه المنطقة اليوم قد يكون إحدى تلك اللحظات، حيث يمكن الانتقال من رد الفعل إلى الفعل، ومن التشتت إلى التنسيق, فالتحالفات لا تُبنى على وقع الحروب فقط، بل على قراءة واعية لنتائجها, فقد تنتهي الحروب لكن آثارها هي التي ترسم ملامح المرحلة القادمة…فهل تتحول الأزمة إلى بداية اصطفاف جديد؟