في الثامن من أفريل من سنة 1864، دوّن التاريخ صفحة مشرقة من صفحات المقاومة الجزائرية في منطقة عوينة بوبكر، حيث تحوّل الخوف إلى شجاعة، وانكسرت أسطورة أحد أكثر القادة الاستعماريين دموية، الكولونيل شارل ماري نابوليون دو بوجي المعروف بلقب “بوبريط”.
لم تكن هذه الملحمة وليدة لحظة، بل جاءت نتيجة سنوات من القهر والاستبداد الذي مارسته الإدارة الاستعمارية الفرنسية في الجنوب الوهراني، خاصة ضد قبائل أولاد سيدي الشيخ.
فبعد استشهاد سي حمزة بن بوبكر، ثم ابنه، انتقلت راية الجهاد إلى الشاب الأمير سي سليمان بن حمزة، الذي رفض الخضوع وقرر المواجهة.
تحطيم أسطورة الرعب
كان “بوبريط” قد صنع لنفسه صورة مرعبة، عبر سياسة الأرض المحروقة، وارتكاب جرائم وحشية من قتل وتنكيل، حتى أصبح اسمه يُتداول كرمز للرعب. غير أن هذه الهالة بدأت تتصدع حين أعلن الأمير سي سليمان التحدي، موجّهًا رسالة واضحة مفادها أن زمن الخوف قد انتهى.
في صبيحة 08 أفريل، تحرك جيش قوامه آلاف الفرسان والمجاهدين على ظهور المهاري، في هجوم مباغت أربك المعسكر الفرنسي.
وفي مشهد بطولي خالد، اخترق الأمير سي سليمان صفوف العدو، ووصل إلى قلب المعسكر حيث دارت المواجهة الحاسمة مع “بوبريط”، لتنتهي بسقوط هذا الأخير، وانهيار أسطورته التي طالما أرعبت الأهالي.
ورغم هذا النصر الرمزي الكبير، ارتقى الأمير سي سليمان شهيدًا وهو في ريعان شبابه، ليؤكد أن الحرية في الجزائر كُتبت بدماء أبنائها.
ثورة لا تنطفئ… تواصل المشعل
لم تتوقف المقاومة عند هذا الحد، بل تحولت دماء الشهداء إلى وقود جديد للثورة. تعاقب القادة من أبناء نفس العائلة، واستمرت المواجهات، لتؤكد أن روح المقاومة لم تكن مرتبطة بشخص، بل بعقيدة شعب بأكمله.
ما ميّز هذه الملحمة لم يكن فقط الانتصار العسكري، بل وحدة الصف بين مختلف القبائل، حيث انصهرت الانتماءات في خندق واحد، ووقف الجميع في وجه آلة الاستعمار. لقد كانت “عوينة بوبكر” درسًا في أن التلاحم الشعبي هو السلاح الأقوى في مواجهة الطغيان.
و تبقى هذه المعركة أكثر من مجرد حدث تاريخي، فهي رمز لصمود شعب، ودليل على أن الظلم مهما طال لا بد أن ينهزم.
إنها رسالة متجددة للأجيال بأن الأرض التي رُويت بدماء الشهداء، لا يمكن أن تُكسر، وأن روح المقاومة تبقى حية ما دامت الذاكرة محفوظة.
فرحم الله شهداءنا الأبرار… وبقيت ملحمة عوينة بوبكر شاهدًا على أن الجزائر لا تنحني.