لم تعد الحروب في الشرق الأوسط تُخاض بالمنطق القديم نفسه، ولم تعد أدواتها محصورة في الخطاب الطائفي أو الاستقطاب العقائدي كما كان يُروَّج في مراحل سابقة. فالمشهد الأخير للصراع المرتبط بـ إيران كشف تحوّلًا لافتًا في طبيعة المواجهة، حيث تراجعت أدوات “الفتنة” لصالح حسابات أكثر تعقيدًا تتعلق بالاقتصاد والسيادة والنفوذ.
لطالما اتُّهمت الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل بالاعتماد على تفكيك النسيج الاجتماعي في المنطقة عبر تأجيج الانقسامات، غير أن هذا الأسلوب—وفق قراءة شريحة من المتابعين—لم يعد بنفس الفاعلية في ظل وعي شعبي متزايد بخطورة تلك الانقسامات، وتغيّر أولويات الشعوب التي باتت تبحث عن الاستقرار والتنمية أكثر من أي خطاب آخر.
من مستوى الهوية إلى مستوى المصالح
ما يميز هذه المرحلة هو انتقال الصراع من مستوى الهوية إلى مستوى المصالح. فالمواجهة، بدل أن تُختزل في بعدها المذهبي، أخذت طابعًا جيوسياسيًا واضحًا، حيث أصبحت أدوات الضغط اقتصادية بالدرجة الأولى، مع حضور لافت للبعد الإنساني في الخطاب العام.
هذا التحول أتاح لإيران—في نظر مؤيدي هذا الطرح—كسب تعاطف نسبي في بعض الأوساط الدولية، ليس فقط بسبب موقعها في الصراع، بل أيضًا نتيجة تقديم نفسها كدولة تسعى للحفاظ على سيادتها في مواجهة ضغوط خارجية.
و من بين العوامل التي يُشار إليها في تفسير قدرة طهران على الصمود، مسألة الاعتماد النسبي على الذات، سواء في مجال التصنيع العسكري أو في تأمين جزء مهم من احتياجاتها الغذائية. هذه المعطيات تعزز فكرة أن الحروب الحديثة لا تُحسم فقط في ساحات القتال، بل أيضًا في المصانع والحقول وسلاسل الإمداد.
وفي هذا السياق، تُطرح مقارنات تاريخية، مثل العدوان الثلاثي على مصر، حيث فشلت قوى كبرى في تحقيق أهدافها رغم تفوقها العسكري، ما يعيد التأكيد على أن موازين القوة ليست دائمًا تقليدية أو مباشرة.
توازنات دولية جديدة
لا يمكن قراءة هذا المشهد بمعزل عن التحولات الدولية الأوسع، حيث يبرز دور قوى مثل روسيا والصين في إعادة تشكيل موازين النفوذ، سواء عبر الدعم غير المباشر أو من خلال خلق توازنات تحدّ من الهيمنة الأحادية.
في المقابل، تبقى مواقف تكتلات مثل حلف شمال الأطلسي محكومة بحسابات معقدة، تتداخل فيها المصالح الاستراتيجية مع الاعتبارات السياسية والاقتصادية.
و ما يمكن تأكيده هو أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة، لم تعد فيها الحروب تُدار بنفس الأدوات القديمة. من الطائفية إلى الجيوسياسة، ومن الشعارات إلى المصالح، تتغير قواعد اللعبة، ويُعاد رسم ملامح الصراع.
وفي عالم تتبدل فيه التحالفات بسرعة، يبقى الثابت الوحيد هو أن من يمتلك عناصر القوة الذاتية، يكون الأقدر على الصمود في وجه العواصف.