في مشهدنا الثقافي الراهن، حيث تتشابك الأسئلة الوجودية مع التحولات المتسارعة، يأتي العمل النقدي الجديد للباحثة والناقدة الجزائرية الأستاذة الدكتورة سعاد بسناسي (أستاذة اللسانيات بجامعة وهران 1 وعضو المجلس الأعلى للغة العربية) ليمثل علامة فارقة في المكتبة العربية. يحمل الكتاب عنوان “تجليات الذات في الشعر العربي المعاصر”، وهو مشروع لا يكتفي بالوصف، بل يغوص في أعماق النص الشعري ليفكك شفرات العلاقة بين “الذات الشاعرة” وعالمها المتغير.
تستند بسناسي في طرحها إلى خبرة تراكمية بدأت من “مضمرات الملفوظ” وصولاً إلى “تأويل المعنى”، لتقدم هنا مقاربة تجمع بين الدقة الأكاديمية والحس الأدبي المرهف، معيدةً الاعتبار للقصيدة ككائن حي يتنفس من خلال تجربة مبدعه.
من التقليد إلى الانعتاق…تحولات القصيدة ووعي الكينونة
لم يكن انتقال القصيدة العربية من القوالب التقليدية إلى رحاب المعاصرة مجرد تغيير في الشكل أو الأوزان، بل كان “ضرورة حتمية” فرضتها التحولات التاريخية والسياسية. ترى الدكتورة بسناسي أن القصيدة التقليدية التي اقتصرت طويلاً على أغراض محددة كالمدح والرثاء، كانت تعكس “القيم الجماعية”، بينما جاءت القصيدة المعاصرة لتنصت لـ “الذات القلقة”.
هذا التحول الجذري جعل من القصيدة فضاءً للتعبير عن الغربة، والقلق الوجودي، والبحث عن الحرية. فلم يعد الشاعر مجرد لسان حال قبيلته أو مجتمعه، بل أصبح يبحث عن “وعي الكينونة” وسط ركام العدم والمعاناة. وتشير الباحثة إلى أن هذا “التجريب” الشعري لم يكن تقليداً للغرب، بل كان نابعاً من رغبة داخلية لإعادة ترتيب العلاقة بين اللغة والوجود، حيث تحولت القصيدة إلى “سيرة باطنية” تتقاطع فيها الأزمنة، ويصبح فيها القارئ شريكاً في صناعة المعنى وتأويله.
حضور الأنوثة…من “موضوع للوصف” إلى “ذات فاعلة” في النص
في منحى تأويلي عميق، تتقصى بسناسي حضور “الذات الأنثوية” في الشعر المعاصر، مؤكدة أن الأنوثة في النص لم تعد مجرد “ملهمة صامتة” أو رمزاً معلقاً على جدران الخيال الذكوري. لقد حدث انزياح جوهري في الإدراك؛ حيث تحولت المرأة من “موضوع للقول” إلى “فاعلة في القول نفسه”.
هذا الحضور الأنثوي يتجلى عبر طبقات معقدة من المعاني، حيث تعيد الأنثى تشكيل العالم من منظورها الخاص، كينونةً تتكلم، ترفض، وتجابه. لم تعد الأنوثة محصورة في المعنى البيولوجي أو الجمالي الجامد، بل أصبحت “حتمية تأويلية” تكسر الصور النمطية لتكشف عن تشظي الذات وتعددها.
في هذا السياق، تلاشت الفواصل التقليدية، ليبقى الصوت الداخلي الذي يتحدث باسم “الإنسانية” في كليتها. فالمرأة في القصيدة المعاصرة، كما ترسمها قراءة بسناسي، هي “سؤال” مفتوح و”أفق” لإعادة تعريف الإنسان، مما جعل القصيدة تخرج من حيز “قصيدة الحب” الضيق لتدخل رحاب “قصيدة الوجود”.
إن كتاب “تجليات الذات في الشعر العربي المعاصر” لسعاد بسناسي هو دعوة للغوص في “المسار التأويلي” لفهم الذات الإنسانية. إنه عمل يثبت أن الشعر يظل الملاذ الأخير لاستكناه الدلالات المضمرة، وأن النقد، حين يمتزج بالفلسفة واللسانيات، يصبح أداةً لإضاءة عتمات الروح البشرية وتجلياتها اللامتناهية.