في لحظة إقليمية ودولية مشحونة، تعود العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران إلى نقطة التوتر، بعد جولة جديدة من المفاوضات التي انتهت دون تفاهم يُذكر. مشهد يعكس، في نظر كثيرين، ليس فقط تعقيد الملفات المطروحة، بل أيضًا عمق فجوة الثقة بين الطرفين.
من الواضح أن الرؤيتين الأمريكية والإيرانية لم تلتقيا. فبينما سعت الولايات المتحدة إلى فرض شروط تُفسَّر في طهران على أنها “انهزامية”، تمسكت إيران بما تعتبره “شروط السيادة والكرامة”، رافضة أي تنازل يمس استقلال قرارها السياسي أو برنامجها الاستراتيجي.
هذا التباين لم يكن تقنيًا بقدر ما هو بنيوي، يعكس اختلافًا عميقًا في تصور كل طرف لمفهوم التفاوض ذاته: هل هو أداة لفرض الإرادة أم مساحة للتسوية المتكافئة؟
إسرائيل تحلم يقلب المعادلة
في خلفية هذا المشهد، تتحرك إسرائيل كفاعل أساسي يسعى إلى التأثير في مسار الأحداث. فالتصعيد، أو التلويح به، يبقى ورقة ضغط تهدف إلى إعادة تشكيل موازين القوى، خاصة في ظل خشية تل أبيب من أي اتفاق قد يمنح طهران هامشًا أوسع للحركة.
و يرى بعض المراقبين أن تعثر المفاوضات لا يعني بالضرورة فشلها النهائي، بل قد يكون جزءًا من تكتيك أوسع تتبعه الولايات المتحدة، يقوم على كسب الوقت وإعادة ترتيب الأوراق. هذه المقاربة ليست جديدة في تاريخ الصراعات الدولية، حيث غالبًا ما تُستخدم الهدنات والمفاوضات كمرحلة انتقالية لإعادة التموضع.
أمريكا فاوضت صدام ثم انقلبت عليه
لم تكن علاقة واشنطن بنظام صدام حسين عدائية دائماً، بل بدأت كشراكة براغماتية خلال الثمانينيات؛ حيث رأت الولايات المتحدة في العراق “حائط صد” منيعاً أمام تمدد الثورة الإيرانية، مما دفعها لتقديم دعم استخباراتي ولوجستي لبغداد. إلا أن هذا “التفاوض الضمني” انهار بمجرد اختلال توازن القوى الإقليمي بعد غزو الكويت عام 1990، حيث تحول صدام في المنظور الأمريكي من أداة لاحتواء الخصوم إلى تهديد مباشر لأمن الطاقة العالمي.
هذا الانقلاب لم يكن مفاجئاً بمعايير الجيوسياسية، بل كان تجسيداً لسياسة “تغيير الأنظمة” التي انتهجتها واشنطن لاحقاً. فبينما كانت القنوات الدبلوماسية مفتوحة في مراحل معينة، كانت الإستراتيجية الأمريكية العميقة تتحرك نحو عزله ثم الإطاحة به، مستغلةً تراكمات ملف أسلحة الدمار الشامل وخرق حقوق الإنسان كغطاء أخلاقي وقانوني. إن تجربة صدام مع أمريكا تُعد درساً في قسوة العلاقات الدولية، حيث “فاوضته واشنطن عندما كان حاجة، وانقلبت عليه عندما أصبح عبئاً”.
إسقاطات من التاريخ
في الذاكرة التاريخية، تُستحضر نماذج مشابهة تُظهر كيف استُخدمت المفاوضات أحيانًا كأداة تكتيكية. من بينها تجربة الأمير عبد القادر مع القائد الفرنسي توماس روبير بيجو خلال هدنة التافنة، حيث تحولت الهدنة إلى فرصة لإعادة تنظيم القوات الفرنسية قبل استئناف المواجهة.
وكذلك ما حدث في ليبيا، حين واجه عمر المختار سياسات القائد الإيطالي رودولفو غراتسياني، الذي اعتمد أساليب تفاوضية موازية للعمليات العسكرية خلال حملاته، ومنها ما ارتبط بالغزو الهمجي لمدينة الكفرة.
و المشهد الحالي يوحي بأن المنطقة تتجه نحو مرحلة من “اللا حسم”، حيث لا حرب شاملة ولا سلام مستقر. كل طرف يختبر حدود الآخر، ويحاول تحسين موقعه دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
في هذا السياق، تبقى المفاوضات—رغم تعثرها—أداة قائمة، لكنها مشروطة بتغيرات أعمق في موازين القوى أو في حسابات الفاعلين.