ما قل ودل

زيارة البابا إلى الجزائر…رسائل روحية تتجاوز السياسة والتاريخ

شارك المقال

في سياق زيارة البابا إلى الجزائر التاريخية يُتوقّع أن تحمل هذه السفرية دلالات رمزية عميقة، أين تتجدّد اليوم في الجزائر أسئلة الذاكرة والتاريخ المشترك بين الضفتين، ويتقدّم ملف العلاقة بين الجزائر والمسيحية كأحد أبرز عناوين التلاقي الحضاري الذي لم ينقطع رغم تعاقب الأزمنة والتحولات السياسية.

فالجزائر، بما هي أرضٌ ضاربة في عمق التاريخ المتوسطي، كانت من أوائل المناطق التي عرفت انتشار المسيحية في شمال إفريقيا خلال العصور القديمة، حيث شكّلت مدن مثل هيبون مراكز فكر ولاهوت أثّرت في مسار المسيحية الأولى. هذا الإرث التاريخي يجعل من الجزائر فضاءً ذا ذاكرة دينية وثقافية متعددة الطبقات، لا تختزل في مرحلة واحدة أو هوية واحدة.

وعبر القرون اللاحقة، ظلّ التعايش سمة بارزة في المجتمع الجزائري، حيث عاش المسيحيون إلى جانب المسلمين في فترات مختلفة ضمن أطر اجتماعية متقاربة، خصوصًا في العهد العثماني ثم خلال مرحلة الاستعمار الفرنسي، رغم تعقيدات تلك المرحلة وما حملته من تناقضات سياسية وتاريخية.

الأمير عبد القادر خالد في سجل الإنسانية

ويُستحضر في هذا السياق اسم الأمير عبد القادر الجزائري، الذي لم يكن مجرد قائد مقاومة، بل أيضًا رمزًا إنسانيًا كبيرًا في التاريخ الحديث، حيث عُرف بمواقفه الشهيرة في حماية المسيحيين خلال أحداث دمشق سنة 1860، وهو ما أكسبه احترامًا واسعًا في أوروبا والعالم. هذه الواقعة التاريخية جعلت منه جسرًا أخلاقيًا بين الحضارات، ورسّخت صورته كرمز للتسامح الديني.

وفي القرن العشرين، برزت شخصيات أوروبية وجزائرية متعاطفة مع القضية الجزائرية، انخرطت في مسار التحرر الوطني أو دعمت مبادئه، من بينها الباحث الفرنسي موريس أودان، الذي أصبح رمزًا لقضية العدالة وذاكرة الاستعمار، إلى جانب أسماء قانونية وحقوقية بارزة مثل المحامية جيزال حليمي، التي دافعت عن قضايا التحرر وحقوق الإنسان.

فرديناد إيفتون افتدى روحه لكي تحيا الجزائر

كما شهدت الثورة التحريرية الجزائرية مشاركة وتضامنًا من شخصيات مختلفة، من بينها بعض الأوروبيين الذين التحقوا بها أو تعاطفوا معها على غرار جاك فيرجيس و منهم من قضى تحت المقصلة في سبيل الجزائر المستقلة مثل فرديناد إيفتون، ما يعكس أن مسار الاستقلال لم يكن فقط صراعًا سياسيًا و عسكريا من أجل الإستقلال، بل أيضًا مساحة تلاقت فيها ضمائر إنسانية متعددة.

اليوم، ومع الزيارة البابوية إلى الجزائر، يُعاد طرح سؤال الحوار بين الأديان في سياق معاصر، يقوم على الاعتراف المتبادل والتذكير بجذور التعايش، أكثر من التركيز على نقاط الخلاف. فالمسيحية خطت أوائل خطواتها في الجزائر ما يجعل منها ليست غريبة عن الأرض ولا عن التاريخ، و على عكس ما يروج له أبواق الفتنة فإن الإسلام في الجزائر ظلّ عبر قرون طويلة فضاءً للتعدد والانفتاح النسبي على الآخر.

إن الرسالة الرمزية لأي زيارة دينية رفيعة المستوى من عيارة الزيارة الباباوية إلى الجزائر اليوم تتجاوز البروتوكول، لتلامس أسئلة الذاكرة المشتركة، وإمكانية بناء مستقبل يقوم على الاحترام المتبادل بين الأديان والثقافات، في عالم تتزايد فيه التوترات وتتعاظم الحاجة إلى الجسور بدل الجدران.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram