ما قل ودل

ثقافة الإشهار في الأندية الرياضية…أزمة تسيير أم غياب رؤية؟

شارك المقال

لم يعد الإشهار في عالم كرة القدم مجرد ملصق على القميص أو شعار يُضاف في اللحظة الأخيرة، بل أصبح جزءًا من هوية النادي، وأحد أعمدة قوته الاقتصادية والرمزية. غير أن ما يحدث في بعض الأندية، في بلادنا، يكشف خللًا عميقًا في فهم معنى الشراكة الإعلانية، وتحويلها من مشروع استراتيجي إلى مجرد صفقة عابرة.

رسالة صادي واضحة…لا احتراف دون استقلال مالي

يأتي تعرضنا لهذه اللنقطة بالذات إزاء تزامنها مع تصريحات وزير الرياضة وليد صادي الذي تساءل عن الدور المنوط برؤساء الفرق الرياضية الذيم باتوا يتكون فقط على إعانات الدولة دون استدراجهم للعلامات الإشهارية من أجل فائدة الفريق, و ذاك ما يدخل في سياق إعادة تنظيم المنظومة الرياضية، و كان وليد صادي واضحًا حين لمح إلى ضرورة تحمّل مسؤولي الأندية مسؤولياتهم الكاملة، خاصة من الجانب المالي، بدل الاعتماد شبه الكلي على إعانات الدولة. فالتوجه الجديد لا يقوم على الانسحاب الكلي للدولة، بل على إعادة ضبط العلاقة، من خلال إشراك المؤسسات الاقتصادية الوطنية كشركاء في التسيير، وليس كمصدر تمويل ظرفي فقط. هذا الطرح يهدف إلى إرساء ثقافة احتراف حقيقية داخل الأندية، تقوم على تنويع الموارد، وبناء نماذج اقتصادية مستدامة، بدل الاستمرار في منطق الاتكال، الذي أثبت محدوديته في تطوير كرة القدم الجزائرية ورفع تنافسيتها.

من الشراكة إلى الصفقة… أين الخلل؟

في التجارب الاحترافية الكبرى، لا يأتي الممول فقط لتمويل النادي، بل يدخل في علاقة تكاملية قائمة على بناء صورة مشتركة. فالنادي يقدم تاريخه وجمهوره وقيمته الرمزية، بينما يقدم الممول خبرته التسويقية وقوته الإعلامية. هذه العلاقة لا تُبنى في الخفاء، بل تُصنع عبر حملات إعلامية مدروسة، وإطلاق رسمي يليق بحجم الطرفين، وهو ما نراه في أندية عالمية مثل ريال مدريد أو مانشستر سيتي، حيث تتحول الشراكات إلى أحداث إعلامية بحد ذاتها.

لكن الإشكال يظهر حين تغيب هذه الثقافة، ويُختزل الإشهار في مجرد شعار على القميص دون أي استراتيجية تواصل. هنا يفقد النادي جزءًا من هيبته، ويتحول إلى “مساحة إعلانية” تُملأ عند الحاجة، بدل أن يكون علامة تجارية تُفرض شروطها في السوق. فالجمهور لم يعد متلقيًا سلبيًا، بل أصبح واعيًا بقيمة ناديه، ويرفض أي تعامل يُشعره بأن فريقه يُدار بعقلية هاوية.

سقوط الهيبة مع منطق “نمول الجميع”

الأخطر من ذلك هو منطق “توزيع الرعاية”، حين يتعامل الممول مع عدة أندية بنفس المنطق، دون تمييز أو استثمار حقيقي في هوية كل فريق. هذا الأسلوب قد يكون مقبولًا في بيئات ضعيفة التسويق، لكنه يُفقد الأندية الكبيرة قيمتها التفاوضية، ويجعلها مجرد رقم ضمن قائمة، بدل أن تكون شريكًا استراتيجيًا يُبنى حوله مشروع طويل المدى.

إن بناء قوة اقتصادية حقيقية لأي نادٍ يبدأ من إدراك بسيط: النادي ليس فقط فريق كرة قدم، بل “علامة” لها تاريخ وجمهور وسوق. وكلما فشلت الإدارة في تسويق هذه العلامة، كلما تراجعت قدرتها على جذب ممولين كبار قادرين على الاستثمار الحقيقي، لا مجرد الظهور السريع.

في النهاية، القضية ليست في وجود ممول من عدمه، بل في نوع العلاقة التي تربطه بالنادي. فإما أن تكون شراكة قائمة على رؤية واستثمار وهوية واضحة، أو تتحول إلى عبء يسيء لصورة النادي أكثر مما يخدمه. وبين هذين الخيارين، يتحدد مستقبل الأندية الجزائرية في عصر أصبحت فيه كرة القدم صناعة قبل أن تكون مجرد لعبة.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram