ما قل ودل

سفينة “الشباك”…يوم كانت الجزائر سيدة البحر المتوسط

شارك المقال

في زمنٍ كانت فيه السيطرة على البحر تعني الهيمنة على التجارة والنفوذ، برزت الجزائر كقوة بحرية ضاربة خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، حتى اضطرت قوى كبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية إلى دفع الإتاوات مقابل ضمان حرية الملاحة. لم يكن ذلك محض صدفة، بل نتيجة أسطول بحري منظم ومخيف، شكّل إحدى أعمدة القوة الجزائرية آنذاك.

وسط هذا المجد البحري، تبرز سفينة “الشباك” كواحدة من أبرز مفاخر الأسطول الجزائري، ليس فقط من حيث تصميمها، بل أيضًا من حيث أدائها القتالي الذي جعلها كابوسًا حقيقيًا للقوى الأوروبية، خاصة إسبانيا وإنجلترا.

تصميم متقن… وسلاح مرعب

تم تصميم “الشباك” على يد نخبة من مهندسي البحرية تحت إشراف رياس البحر، فجاءت سفينة تجمع بين السرعة والخفة والدقة. بوزن يقارب 260 طنًا، وتسليح يضم 24 مدفعًا، كانت هذه القطعة الحربية قادرة على المناورة بسرعة فائقة، والالتفاف حول خصومها لتوجيه ضربات دقيقة ومباغتة.

هذه الخصائص جعلت “الشباك” تتفوق تكتيكيًا على العديد من السفن الثقيلة، حيث كانت تضرب ثم تنسحب بسرعة، أو تعاود الهجوم من زوايا غير متوقعة، وهو ما أربك سفن هولندا وفرنسا التي لم تعتد على هذا النوع من القتال البحري المرن.

لم تكن “الشباك” سوى قطعة ضمن منظومة بحرية متكاملة، ضمّت أنواعًا متعددة من السفن التي شكلت العمود الفقري للقوة البحرية الجزائرية. من بين هذه السفن: القالير، الغليوطة، الطريدة، والفوستة، وهي سفن كبيرة مخصصة للمعارك الكبرى.

أما المراكب الصغيرة مثل الكرافيل، البولاكة، الشاطية، والكورفيت، فقد لعبت أدوارًا حيوية في الاستطلاع والمناورة السريعة، ما منح الأسطول الجزائري مرونة تكتيكية عالية وقدرة على التكيف مع مختلف ظروف المعارك.

أسماء خالدة في سجل التاريخ

تزخر الأرشيفات البحرية بأسماء سفن جزائرية تركت بصمتها في تاريخ الملاحة، مثل “ابن الغواص”، “المظهر الصافي”، “أماني الهدى”، “الهلال”، “الأسد الأبيض”، “نصر الإسلام” و“مفتاح الجهاد”. هذه السفن لم تكن مجرد وسائل قتال، بل رموزًا لسيادة بحرية وهيبة دولية.

ورغم ما يحيط بتاريخ البحرية الجزائرية من روايات متباينة، يبقى المؤكد أن الجزائر كانت قوة بحرية لا يُستهان بها، استطاعت فرض معادلات جديدة في البحر المتوسط، وفرضت احترامها على قوى عظمى في ذلك العصر.

و اليوم، يعود الحديث عن سفن مثل “الشباك” ليعيد إحياء ذاكرة بحرية غنية، ويطرح تساؤلات حول كيفية استثمار هذا الإرث في بناء وعي تاريخي جديد، يعيد الاعتبار لدور الجزائر في رسم ملامح التوازنات البحرية عبر التاريخ.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram