ما قل ودل

مدافع صامتة سكتت في اللحظة الحاسمة…سّر سقوط الجزائر رغم قوتها العسكرية

شارك المقال

لم يكن سقوط مدينة الجزائر سنة 1830 حدثًا عسكريًا بسيطًا، بل لحظة مفصلية تختلط فيها الوقائع العسكرية بالرهانات السياسية والخفايا التي ما تزال تثير الجدل إلى اليوم. فمدينة كانت محصنة بالمدافع قيل أن عددها حسب المؤرخ الجزائري الراحل أبو القاسم سعد الله تجاوز الأربعة آلاف، وقادرة نظريًا على الصمود و حتى مهاجمة العدو أثناء إنزاله في سيدي فرج، سقطت في ظرف وجيز أمام الحملة الفرنسية، ما يفتح الباب واسعًا أمام التساؤل: هل كان السقوط حتميًا أم نتيجة اختلالات وخيارات مصيرية؟

مدينة محصنة…وسقوط يطرح الأسئلة

تشير العديد من الروايات إلى أن الجزائر العاصمة كانت تمتلك ما يقارب أربعة آلاف مدفع موزعة على أسوارها وحصونها، ما جعلها واحدة من أقوى المدن دفاعيًا في حوض المتوسط. ومع ذلك، تمكنت قوات فرنسا من اقتحامها بسرعة نسبية سنة 1830 و مهدت لاحتلال دام قرن و إثنان و ثلاثون سنة جثم فوق رقاب الأحرار الجزائريين, و السؤال الذي يطرح نفسه لماذا بقيت هذه المدافع صامتة ما دام أنها كانت ترسانة إن أخرجت جمراتها حتما كانت سوف تغير مجرى التاريخ و تجنب الجزائر ويلات احتلال حقير غاشم.

هذا التناقض بين قوة التحصين وسرعة السقوط غذّى أطروحات تتحدث عن سوء تقدير، أو حتى تواطؤ داخلي، خاصة مع قرار التسليم الذي أنهى المعركة قبل استنفاد كل وسائل الدفاع. وبين هذا وذاك، يبقى المؤكد أن المقاومة الشعبية لم تتوقف، حيث برزت مناطق وأبطال رفضوا الاستسلام، وقدموا نماذج مشرفة في الدفاع عن الأرض.

خزينة الداي…غنيمة الاحتلال وبداية النزيف

من أبرز ما رافق سقوط الجزائر، استيلاء القوات الفرنسية على خزينة الداي، والتي كانت — حسب مصادر تاريخية — مليئة بالذهب والأحجار الكريمة، إضافة إلى ممتلكات الدولة. هذا الحدث لم يكن مجرد نهب عابر، بل شكل نقطة تحول اقتصادية، حيث ساهمت هذه الثروات في دعم خزينة فرنسا التي كانت تمر بصعوبات مالية آنذاك, مما جنبها حرب أهلية طاحنة.

ولم يتوقف الأمر عند الذهب، بل شمل أيضًا الأرشيف العثماني ووثائق تاريخية تعود لفترات مختلفة، بما فيها عصور سابقة مثل الدول الزيانية والمرينية. هذه الوثائق، التي لا تزال نسبة منها محفوظة في فرنسا، تمثل اليوم جزءًا أساسيًا من معركة الذاكرة، إذ أن استرجاعها يعني استعادة جزء من التاريخ الوطني وإعادة كتابته من مصادره الأصلية.

ذاكرة لا تموت…بين الاعتراف والمطالبة بالاسترجاع

رغم مرور قرابة قرنين على الاحتلال، لا تزال قضايا الذاكرة مطروحة بقوة، خاصة مع مطالب استرجاع الممتلكات التاريخية، وعلى رأسها المدافع الجزائرية التي تُعرض اليوم في حدائق وقصور داخل فرنسا, حتى الفرنسيين قصد التخلص منها و إذلال الجزائريين الذين سبق لهم و أن ذلوا فرنسا  في معاقلها قموا بطمرها في حواف الموانئ الجزائرية بالمعكوس لاستعمالها لشد حبال اسفن, و هو ما يعتبر بلغة البحرية العسكرية القديمة بمثابة رسالة من الغالب نحو المغلوب.

أما بشأن اعتراف الفرنسيين بالجرائم الفضيعة التي قام بها أسلافهم فلا تزال سمة التراجع هي الطاغية لدى ساسة الإيليزيه و لعل أبرز مثال على ذلك تصريحات إيمانويل ماكرون خلال حملته الانتخابية الأولى التي أراد بالحيلة اكتساب وّد الجالية الجزائرية لأغراض انتخابية, حين وصف الاستعمار بأنه جريمة، قبل أن تتغير نبرة خطابه لاحقًا بعد اعتلائه الكرسي إزاء تعرضه لضغوط من اللوبي الصهيو-يميني. في المقابل، يرى كثيرون أن أي اعتراف لا يكتمل دون خطوات عملية، تشمل إعادة الأرشيف والممتلكات، والاعتراف الكامل بالانتهاكات.

بين الكفاءة والمحسوبية….مفاتيح سقوط الجزائر في شهادة المؤرخين

قصد تشريح حادثة احتلال الجزائر سنة 1830 بطريقة أكاديمية آثرت جريدة “المقال” مساءلة أستاذ التاريخ من جامعة وهران السيد بلحاج محمد الضليع في الفترة العثمانية, أين أرجع السبب الرئيسي إضافة لقضية سوء استغلال المدافع و الذخيرة إلى سوء التسيير في دواليب الحكم حينها, فحسبه لو مشى الداي الحسين على نفس نسق سابقه الداي علي خوجة لنجت الجزائر من مصيدة الاحتلال, مثلما نجت من حملة شارلكان, حيث أن الداي علي خوجة كان دائم الإصرار على الاقتراب من المواطنين, و هو ما يفسر اتخاذه قصر باب الجديد مكان للحكم بدل من قصر الجنينة, لكن إصرار الداي الحسين على تنصيب صهره كوزير الحربية مكان المخضرم يحي آغا أفسد الأمر, خصوصا و أن المعني لا يفقه في الأمور العسكرية, الأمر الذي سهل مأمورية الاحتلال على الكونت دوبورمون قائد الحملة العسكرية الفرنسية, و يضيف المؤرخ بلحاج محمد أن سقوط الجزائر الذي كان بمثابة حلم لفرنسا, يشهد عليه أحد أبناء مدينة وهران مسلم بن عبد القادر الوهراني الحميري الذي حضر و عاين عن قرب المعركة نيابة عن باي وهران حسن باشا, و كتب قصيدة شعرية يرثي فيها سقوط الجزائر قائلا في أحد أبياتها “أصابتك العين بعد أن كنت كسّد ذي القرنين”, متحسرا في باقي الأبيات على تلك النكبة لسقوط أحد قلاع الحق و ناصرة المظلومين.

في هذا السياق، يبرز دور الأعمال الفنية والتاريخية — مثل ما يُستعاد من شهادات ومراسلات — في نقل معاناة الجزائريين خلال السنوات الأولى للاحتلال، وكشف الأساليب التي رافقت تلك المرحلة, وهنا ينبغي التنويه بمسلسل فاطمة من إخراج جعفر قاسم الذي عرض خلال شهر رمضان و الذي كان دليل معنوي لما عاناه الجزائريين الذين عاصروا السنوات الأولى للاحتلال و ينبغي تكرار هكذا مسلسلات بالتعاون مع المؤرخين لفضح أساليب الفرنسيين الخسيسة, في تلك الفترة التي يريد الفرنسيين تغييبها عمدا.

و تبقى قصة سقوط الجزائر سنة 1830 أكثر من مجرد حدث تاريخي…إنها ملف مفتوح بين الماضي والحاضر، بين الذاكرة والإنصاف، وبين ما حدث فعلًا وما يجب أن يُستعاد اليوم, و ما يجب إعادة التأريخ له من جديد.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram