ما قل ودل

النقد علم وليس فوضى وتجريح

شارك المقال

بقلم الأستاذ الشارف

بعض الناس يظن أن النقد هو تحطيم الغير وذكر لمثالبهم ،وينسى بأن النقد عملية تقويمية للعمل والأفكار دون الإساءة لأصحابها.

يقول الشافعي رحمه الله :(رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب) ..فالأفكار نسبية فما تراه (أنت )صحيحا يراه غيرك خطأ،لكن مشكلة بعض الناس إما أن يقلدوا تقليدا أعمى ويضفون القداسة على من يقلدون وإما أن يسيئوا للمخالف لدرجة الطعن في دينه وشرفه.

كنت البارحة في جلسة دينية ومن عادتي ألا أتكلم في الجلسات العامة دون إذن ولا أدخل في مناقشات بيزنطية لا يعرف أولها من آخرها..وبينما نحن متحلقون حول مائدة العشاء ذكر أحد الحاضرين الشيخ الألباني (رحمه الله) بسوء وكان من جملة ما قاله: أن هذا الرجل جاهل بالفقه وشاذ في آرائه وأساء إلى السنة وهو سبب ما تعانيه الساحة الإسلامية من انقسام .وأتباعه جهلة مشوهون للدّين، وكان هذا المتكلم المسكين يظن بأن الجالسين حول المائدة كلهم مؤيدون لمنهجه.

فنظرت إليه نظرة عدم رضا فاندهش لأنه لم ير لحية في وجهي ولا قميصا قصيرا على جسدي..فقلت له :هب (افترض)أن قولك صحيح بالنسبة للفقه فهو غير صحيح بالنسبة للسنة.. فالرجل (رحمه الله) حقق جل كتب الصحاح والسنن بالإضافة إلى كتب أخرى كالجامع الصغير للسيوطي…

فسكت صاحبي لأنه لم يتوقع دفاعا من رجل مهتم بالعربية على عالم سلفي فواصلت القول :إنني أحب كتاب “فقه السنة “لسيد سابق وازددت محبة له بعد أن قام العلامة الألباني بتخريج أحاديثه وتحقيقها لأنني تأكدت بأنني أستشهد في كلامي وأحكامي بنصوص صحيحة سندا ومتنا على الأقل من وجهة عالم متخصص ،.ثم قلت له في شكل عتاب بألفاظ غير جارحة :يا صديقي إذا اعتبرت أنت وجماعتك الألباني عدوا واعتبرتك جماعة الألباني أنت وشيوخك أعداء ألم تسألوا أنفسكم من الرابح ؟.

فقلت :إن الرابح الوحيد هم غير المسلمين ..فنبينا عليه الصلاة و السلام جاء بهذا الدين بعيدا عن التكتلات والجماعات بل ذابت فيه كل العرقيات فلقد عاش في كنفه أبو بكر العربي وسلمان الفارسي وصهيب الرومي وبلال الحبشي ..فهلا وسعكم ما وسعهم دون تجريح بعضكم البعض ..ثم تذكرت ذلك الرجل الذي قال :أنا أفقه من أبي حنيفة وتعجب الناس من جرأة وجهل هذا المسكين ولكن غلام أبي حنيفة قال متهكما :لقد صدق الرجل .فقالوا له أجننت يا رجل ؟فقال:أنتم لم تفهموا ما يقوله الرجل ..فهو كان يريد أن يقول :أنا أفقه من بغلة أبي حنيفة لكن لسانه زل.

وتناولت عشائي وعدت إلى بيتي وفتحت الفايس وأنتم تعلمون ما هو الفايس فهو كالخمر فيه إثم كبير ومنافع للناس ..وياليتني ما فتحته ..وجدت شخصا سمى نفسه “إمبراطور الشعر “فدفعني الفضول لقراءة هراء هذا الإمبراطور فوجدته يقول (ومن هو أحمد شوقي حتى ينافسني )..قلت لعل الرجل محقا وأتى بما لم تأت به الأوائل كما قال أبو العلاء المعري في قصيدته الرائعة :ألا في سبيل المجد ما أنا فاعل.

فوجدته يجهل بأن المعتل يجزم بحذف حرف العّلة وأن الأفعال الخمسة عنده في حال الرفع والنصب سواء .أي يستوي عنده حذف النون وثبوتها, فاستغفرت وحوقلت وقلت :إسلام يهان هنا وعربية تهان هناك ..من طرف أناس لا يفرقون بين الديك والحمار.

فيا سادتي ليس قصدي الحّط من قيمة أحد فليس ذلك دندني ولكنه تصوير ما آلت اليه حالة المسلمين فالذي يجهل العربية ولا يكاد يبين يتطاول على الزمخشري والفيرز آبادي والزبيدي وغيرهم،، والذي لم يقرأ ولا كتاب فقه في حياته يتطاول على الفقهاء والمحدثين والأصوليين وهلّم جّرا ..فالنقد جميل والإضافة للأوائل أجمل فلا أحد معصوم بعد رسول الله صلى الله عيه و سلم لكن النقد علم وليس فوضى ..والدين شريعة ربانية نزلت من السماء على خاتم رسل وليست كلاما تقوله ألسنة لا أصحابها في العير ولا هم في النفير.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram