يحلّ يوم العلم في 16 أفريل من كل سنة، حاملاً معه رمزية عميقة في الذاكرة الوطنية، باعتباره محطة للاحتفاء بالعلم والعلماء، وعلى رأسهم عبد الحميد بن باديس الذي جعل من المعرفة أساسًا لبناء الإنسان والمجتمع. غير أن هذا الموعد لا ينبغي أن يبقى مجرد احتفال رمزي، بل فرصة حقيقية لإعادة طرح سؤال جوهري: كيف نغرس حب القراءة لدى التلاميذ في ظل التحولات الرقمية المتسارعة؟…و في خضم هذا الموضوع الهام ارتأت جمعية شباب الباهية من وهران تنظيم ملتقى إلكتروني شارك فيه نخبة من الدكاترة و الأساتذة من مخنلف الإختصاصات و حتى أولياء الأمور و الإعلام مجسدا في جريدة المقال لإثراء النقاش دون الحضور المتميز لرئيس اتحاد الكتاب الجزائريين -فرع وهران- الأستاذ الشاعر مية مفتاح ياسين, و جرت أطوار الملتقى عبر طرح إشكالية تحبيب المطالعة لدى شريحة الأطفال و كيفية إعادة إحيائها, و في معترك النقاش و المداخلات خرج المحاضرون بتوصيات إلكترونية عن كيفية مسايرة عالم رقمي متحرك, بإعادة جلب أعمدة المستقبل نحو عوالم الإجتهاد و المثابرة عبر تنمية حب القراءة لا غير… و فيما يلي أهم النقاط التي نوقشت خلال الملتقى.
القراءة في مواجهة التشتت الرقمي
لم تعد القراءة اليوم النشاط المفضل لدى كثير من التلاميذ، في ظل هيمنة الشاشات ووسائل التواصل الاجتماعي التي تقدم محتوى سريعًا ومختصرًا، يختزل المعرفة في مقاطع قصيرة. هذا التحول أفرز نمطًا جديدًا من التلقي قائمًا على الاستهلاك السريع للمعلومة، ما أثر بشكل مباشر على القدرة على التركيز والتحليل.
في هذا السياق، تبدو القراءة كفعل مقاومة ثقافية، يتطلب إعادة الاعتبار له داخل المنظومة التربوية، ليس فقط كمهارة تعليمية، بل كأسلوب حياة يعزز التفكير النقدي ويمنح التلميذ أدوات الفهم العميق.
المدرسة بين التلقين وصناعة القارئ
تلعب المدرسة دورًا محوريًا في تشكيل علاقة التلميذ بالكتاب، غير أن الإشكال يكمن في هيمنة المقاربة التقليدية التي تربط القراءة بالواجب المدرسي والامتحان، بدل ربطها بالمتعة والاكتشاف.
إن تنمية حب القراءة تستدعي مراجعة طرق التدريس، من خلال إدماج أنشطة موازية مثل نوادي القراءة، والمسابقات الثقافية، وتشجيع المطالعة الحرة داخل المؤسسات التربوية. كما أن دور المعلم لا يقتصر على تقديم النصوص، بل يتعداه إلى تحفيز التلاميذ على النقاش والتفاعل مع ما يقرؤون.
الأسرة… الحلقة المنسية في معادلة القراءة
لا يمكن الحديث عن تنمية حب القراءة دون التطرق إلى دور الأسرة، التي تعد البيئة الأولى لتشكيل ميول الطفل. فالتلميذ الذي ينشأ في بيت يقدّر الكتاب، يكون أكثر قابلية لاكتساب عادة القراءة.
غير أن الواقع يكشف تراجع حضور الكتاب داخل الكثير من البيوت، مقابل حضور قوي للأجهزة الإلكترونية، ما يفرض ضرورة توعية الأولياء بأهمية تخصيص وقت للقراءة، وتوفير مكتبة منزلية ولو بسيطة، تشجع الطفل على الاكتشاف.
نحو مشروع مجتمعي لإحياء القراءة
إن إحياء حب القراءة لدى التلاميذ لا يمكن أن يكون مسؤولية المدرسة وحدها، بل هو مشروع مجتمعي متكامل تشارك فيه مختلف الفاعلين، من مؤسسات ثقافية وإعلامية، إلى مبادرات المجتمع المدني.
ويشكل يوم العلم فرصة لإطلاق مبادرات وطنية تشجع على القراءة، مثل تنظيم معارض الكتاب، وتكريم القراء الصغار، وإبراز نماذج ناجحة في هذا المجال، بما يعيد للكتاب مكانته كأداة أساسية لبناء الوعي.
في النهاية، استخلص المحاضرون و المتدخلون خلال الملتقى الإلكتروني الذي نظمته جمعية شباب الباهية أن القراءة لدى الطفل خصوصا تبقى أكثر من مجّرد مهارة, بل إنها مفتاح لفهم العالم، ووسيلة لتحرير الفكر. وبين تحديات العصر الرقمي، يظل الرهان قائماً: هل ننجح في صناعة جيل قارئ، أم نكتفي بجيل مستهلك للمعلومة؟.