في كل مرة يُستحضر فيها بريق جامعات عالمية مثل جامعة هارفارد وجامعة ييل وجامعة السوربون، يُطرح ضمنيًا سؤال التفوق الحضاري: من أين يبدأ التاريخ العلمي؟ وهل هو حكر على الغرب الحديث فقط؟ غير أن نظرة أعمق في مسار الحضارات تكشف أن جذور المعرفة أقدم بكثير، وأن مناطق من شمال إفريقيا، ومنها الجزائر، كانت يومًا منارات علمية لا يُستهان بها.
مداوروش…ذاكرة علمية منسية
في شرق الجزائر، وتحديدًا في مداوروش، تشير بعض الدراسات التاريخية إلى وجود مراكز تعليمية قديمة تعود إلى العهد النوميدي والروماني، حيث ازدهرت الفلسفة والرياضيات والعلوم الطبيعية. هذه الفضاءات لم تكن جامعات بالمعنى الحديث، لكنها شكلت نواة للتفكير العلمي، واحتضنت تلاقحًا فكريًا بين حضارات المتوسط.
في تلك الفترات، كان الفكر الإنساني يتشكل عبر التفاعل، حيث عاصر فلاسفة مثل فيثاغورس وطاليس بيئات فكرية متعددة، ما يجعل فكرة “الملكية الحصرية” للعلم أمرًا غير دقيق تاريخيًا، بقدر ما هو نتاج تراكمي لحضارات متداخلة.
القديس أوغستين مّر من مداوروش
يعتبر القديس أوغستين (354 – 430 م) أحد أبرز العقول التي أنجبتها الجزائر القديمة، حيث بدأت رحلته المعرفية من مدينة مداوروش (سوق أهراس حالياً) التي كانت منارة للعلم والأدب. بفضل نبوغه الفلسفي، استطاع صياغة فكر لاهوتي عميق مزج فيه بين الفلسفة اليونانية والتعاليم المسيحية، مما جعله “أبا الكنيسة” ومعلم الغرب الأول. لم تقتصر بصمته على الجانب الديني فحسب، بل امتدت لتشكل الركائز الأساسية للفكر الفلسفي والأخلاقي في أوروبا لقرون طويلة. إن إرثه الذي سطره في كتبه، مثل “الاعترافات” و”مدينة الله”، يظل جسراً ثقافياً خالداً يربط ضفتي المتوسط، ويؤكد أن جذور الفكر العالمي المعاصر تمتد بعمق في تراب هذه الأرض العريقة.
بجاية…حين أضاءت المعرفة أوروبا
خلال العصور الوسطى، برزت بجاية كواحدة من أهم المراكز العلمية والتجارية في حوض المتوسط. ولم يكن إشعاعها مقتصرًا على العلوم فقط، بل امتد حتى إلى تفاصيل الحياة اليومية في أوروبا.
ومن أشهر ما يُروى في هذا السياق، أن كلمة “bougie” في اللغة الفرنسية، التي تعني الشمعة، تعود في أصلها إلى اسم مدينة بجاية، التي اشتهرت بتصدير الشموع عالية الجودة. هذه التفاصيل الرمزية تعكس عمق التأثير الحضاري، حيث لم تكن أوروبا في عز ازدهارها لتستغني عن منتجات ومعارف قادمة من الضفة الجنوبية للمتوسط.
و لا ينكر المؤرخون اليوم أن جزءًا مهمًا من وقود النهضة الأوروبية استند إلى التراث العلمي العربي الإسلامي، من خلال الترجمة والنقل والتطوير. فقد انتقلت علوم الرياضيات والفلك والطب والفلسفة إلى أوروبا عبر الأندلس وصقلية و الجزائر، لتُعاد صياغتها لاحقًا ضمن سياق جديد.
هذا التراكم المعرفي يطرح إشكالية “السردية الأحادية” التي تختزل التقدم العلمي في جغرافيا واحدة، متجاهلة التفاعل التاريخي بين الشعوب.
لا مستقبل للأمم بدون ماضي
إذا كان الغرب يفتخر بمؤسساته العلمية الحديثة، فإن الإشكال لا يكمن في ذلك، بل في غياب التوازن في قراءة التاريخ. فتمجيد الحاضر لا ينبغي أن يكون على حساب طمس الماضي، كما أن استحضار الأمجاد لا يجب أن يتحول إلى بديل عن العمل في الحاضر.
التحدي الحقيقي اليوم لا يتمثل في إثبات أن لنا ماضيًا عريقًا، بل في كيفية تحويل هذا الإرث إلى دافع لبناء مستقبل علمي متجدد. فالتاريخ، مهما كان مجيدًا، لا يصنع التقدم وحده، بل يحتاج إلى وعي نقدي واستثمار فعلي في التعليم والبحث.
لأن الأمر لا يتعلق فقط بصراع بين ماضٍ وحاضر، بل بقدرتنا على الربط بينهما. فالحضارات التي تعرف جذورها جيدًا، هي وحدها القادرة على أن تنمو بثبات نحو المستقبل.