ما قل ودل

أحفاد الجزائريين المنفيين إلى كاليدونيا الجديدة…ملف الذاكرة يعود إلى الواجهة برعاية الدولة

شارك المقال

عاد ملف أحفاد الجزائريين الذين نُفوا قسرًا إلى كاليدونيا الجديدة خلال الحقبة الاستعمارية الفرنسية ليطفو مجددًا على الساحة، حاملاً معه ذاكرة مثقلة بالألم، ومطالب متجددة بالاعتراف والارتباط بالوطن الأم. فبين سنوات 1864 و1921، تم ترحيل آلاف الجزائريين، يُقدَّر عددهم بنحو 3000 شخص، بعد مشاركتهم في مقاومة الاحتلال، خاصة عقب ثورتي المقراني وأولاد سيدي الشيخ، ليجدوا أنفسهم في أقصى بقاع الأرض، بعيدًا عن جذورهم وهويتهم.

لم تكن تلك الترحيلات مجرد عقوبة، بل شكّلت عملية اقتلاع ممنهجة من الأرض والثقافة، حيث خضع المنفيون لظروف قاسية، من الأشغال الشاقة إلى العيش في بيئة غريبة، ما أدى إلى تآكل تدريجي لهويتهم. ومع ذلك، لم تنقطع جذور الانتماء، إذ حافظ أحفادهم، الذين يُقدّر عددهم اليوم بأكثر من 15 ألف شخص، على شعورهم بالانتماء إلى الجزائر، رغم التمازج الثقافي والبعد الجغرافي.

عودة الاهتمام…من الإعلام إلى البرلمان

شهد هذا الملف مؤخرًا اهتمامًا متجددًا، خاصة بعد تقرير إعلامي أنجزه المؤثر الجزائري مهدي شطّاح خلال زيارته إلى كاليدونيا الجديدة، حيث سلّط الضوء على معاناة هؤلاء الأحفاد ورغبتهم في استعادة صلتهم بالوطن. كما ساهمت مبادرات برلمانية في إعادة طرح القضية، من بينها سؤال كتابي وجّهه النائب عن الجالية الجزائرية بالخارج، عبد الوهاب يعقوبي، إلى وزارة الشؤون الخارجية.

النائب وصف ما حدث بأنه “أكثر من مجرد ترحيل”، معتبرًا إياه جريمة استعمارية مكتملة الأركان، وداعيًا إلى الاعتراف الرسمي بهوية هؤلاء الأحفاد، وتسهيل اندماجهم الرمزي والفعلي ضمن النسيج الوطني.

تحرّك رسمي وإجراءات ملموسة

في ردّها، أكدت وزارة الشؤون الخارجية، بقيادة الوزير أحمد عطاف، أن هذا الملف يحظى بأهمية خاصة لدى السلطات الجزائرية، مشيرة إلى اتخاذ خطوات عملية لتعزيز التكفل بهذه الفئة. ومن بين الإجراءات المعلنة، إدماج أحفاد المنفيين في الفعاليات الوطنية، ودعوتهم للمشاركة في تظاهرات كبرى، مثل المعرض التجاري الإفريقي الذي نُظم في سبتمبر 2025.

كما تم اتخاذ قرار مهم يتعلق بتسهيل الخدمات القنصلية، حيث أصبح بإمكان أفراد هذه الجالية الاستفادة من خدمات السفارة الجزائرية في أستراليا، بدلًا من التنقل إلى باريس، التي تبعد آلاف الكيلومترات، وهو ما كان يشكّل عائقًا كبيرًا أمامهم.

ذاكرة لا تموت…ومطلب بالإنصاف

يبقى هذا الملف شاهدًا على فصل مؤلم من تاريخ الاستعمار، حيث تعرّض المنفيون لظروف لا إنسانية، من تقييد بالسلاسل إلى نقل في سفن مكتظة، أدت في كثير من الأحيان إلى وفاة عدد منهم قبل الوصول. ورغم مرور الزمن، لا تزال آثار تلك المعاناة حاضرة في ذاكرة الأحفاد، الذين يطالبون اليوم بالاعتراف، والإنصاف، واستعادة جزء من هويتهم الضائعة.

و يمثل هذا التحرك الرسمي خطوة نحو إعادة الاعتبار لذاكرة جماعية طالها التهميش، ويفتح الباب أمام مصالحة تاريخية، تعيد ربط ما انقطع بين الجزائر وأبنائها في أقاصي العالم.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram